Choisir votre langue

Menu

Télécharger son CV حمّل ملخص السيرة الذاتية

Professeur en langue et civilisation arabo-musulmane  / Ecrivain / traducteur
 


 محمّد فيصل الملوحي

أستاذ اللغة العربية والدراسات الإسلامية / كاتب / مترجم



 




Articles : المقالات
Aux étudiants de 3e années langue et littérature arabe et sciences islamiques en arabe: pour analyse et débat

ـ1/ـ  الفصحى واللغات السائدة : أ أعجميّ وعربيّ ؟
  ـ2/ـ حكاية الأرقام العربية
 ـ3/ـ براءة الإسلام من الكَهانة والكهّان
L'islam est contre prêtrise et les le prêtres La



 

أ أعجميّ وعربيّ ؟!ـ
الفصحى واللغات السائدة

بقلم : فيصل الملوحي


تمهيد

    موضوعنا اليوم عن واقع مسيرة الفصحى بين لغات العالم ومنزلتها في المجتمعات الجديدة
 
      ولكني أرى أن نبدأ البحث بجواب السؤال التالي: “لماذا نحافظ على الفصحى شرقاً وغربا؟”
لماذا نتمسّك بالفصحى ( أو – كما يقولون – لماذا نتعصّب لها ) ؟ بل لماذا ندافع عنها دفاعاً مستميتا ونعود بها إلى خمسة عشر قرنا؟ أهو التخلّف والعيش في الماضي الميت؟
١-الحفاظ على الفصحى– لدى المسلمين و المسيحيين وحتى اليهود العرب المخلصين لأمتهم– حفاظ على الشخصيّة من الاستغراب، ولا ننسَ فضل روّاد النهضة في بيروت الذين عادوا بالفصحى إلى أصالتها.
لسنا بحاجة إلى تكرار ما يُقال و إنما  نذكّر  أن العربي ليس اليوم بأصله  بل  هو عربي - بلا جدال - إذا تكلم العربية  وكانت لغته الأم وأحسّ أنه - بدونها -  لا وجود له. و لماذا كان بعض العرب مستعربة ؟ أليس لذوبانهم في المجتمع العربي  وتخاطبهم بلغته  رغم أصلهم غير العربي ؟ وكيف نُوحّد بين شعوب تعيش في وطن مترامي الأطراف بغير فصحى تعود إلى خمسة عشر قرنا ؟ أ نقبل أن يكون مصيرها و مصير شعوبها كمصير اللاتينية التي حلّت محلّها لغات أخرى سمّوها فرنسية و إيطاليـة  وأسبانيـة وبرتغاليـة ورومانية ، بل أخذت تحلّ محلّها اليوم لغات سائدة تتباعد في أصولها و مصير 
شعوبها التي تفرّقت أمماً أو قوميّات ؟!ـ

 ٢- الحفاظ على الفصحى مرتبط- بعامة - بالحفاظ  على القرآن الكريم .
٣- الحفاظ على الفصحى – لدى فريق – حبٌّ بأمثال هذا الشعر :
ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى               *** وحقّك لم أحفل متى قام عُوّدي
 
في الغرب : لا  نكران لسيادة اللغة في موطنها فلكل أمّة لغتها .  بيد أن العربيّ المعتزّ  بعروبته والمسلم المحافظ على إسلامه  والذين يتذوقون الجمال يلتزمون تعلّم الفصحى وإتقانها. وهذا لا ينافي التعايش الإنساني فالاختلاف الفكري  والسلوكي لا يدعونا إلى التنابذ والتناحر
أولا :
 
المكان: الجناح الشرقي من الوطن العربي، حيث يقال: "إن العربية راسخة رسوخ الجبال !!" ، و لا أعبأ  الآن بمناقشة دقة هذا القول  .
الزمــان : قبل أكثر من عشرين عاما ـ
الموقف: قال لي زميل مبديا إعجابه بما سمعه من بعض شعري: ما أروع ما تقول، إنها لغة تميم
التحليل: أرجو ألا تشغل نفسك _ عزيزي القارئ _ بدقة وصف الزميل لقدراتي اللسانية العربية، فالمسألة أخطر من قدرات فرد، إنها ما وراء هذه العبارة: هل كان الزميل يخفي وراء المديح ذما لالتزام لغة غير مألوفة في هذا الزمان ؟!
وإنما اليقين لدي أنه أشار إلى واقع نعيشه جميعا، و إلى تعلقي بماض أرى التحامه بالحاضر ـ و لم أعرف - حتى اليوم - أ يلوم الناسَ لأنهم لا يفهمون ما يُقال أم يلومني لأني أقول ما لا يُفهم ؟!
في المشرق العربي وفي مغربه بعض الحريصين على فصحاهم  التي نزل بها القرآن الكريم موحدا بين لغات عربيــة متعددة  فخلدت خمسة عشر قرنا من الزمان  و إلى ما شاء الله كما بشّر القرآن الكريم  ـ
وإنما تسود لغة تخاطب لا تطابق الفصحى،  وإنما تنحرف - لدى الخاصة - انحرافا خجولا - و لدى العامة -  انحرافا فاحشا ـ
 
ثانيا :
المكان: الجناح المغربي من الوطن العربي حيث كانوا يقولون: "ضعفت العربية ضعفا بالغا !! و كانت الفرنسية اللغة السيدة  ، أما اليوم فقد تقدمت العربية ، بيد أنها مازالت خجولة أمام  الفرنسية " - و لا أعبأ  الآن بمناقشة دقة هذا القول  .
الزمــان :  قبل أكثر من أربعين  عاما ـ
الموقف :   تنازع في مؤتمر فريقان جزائريان . قال أحدهما : الإسلام والعربية متلاحمان فلا عربية بدون إسلام  ولا إسلام بدون عربية  فالعربية خالدة بخلود  القرآن الكريم . وقال الآخر: إنما الإسلام للعالمين و ما أحوجنا إلى أن ندرسه   باللغات السائدة في كل بلد ونحن في الجزائر أصحاب الفرنسية ومن المنطق أن يكون لسان الإسلام فرنسيا.
 التحليل : لن أناقش ما يراه  كل فريق  في خصمه ولكن اسمحوا  لي أن أعبر عن خيبة أملي وأن  أنكر وقوع مثل هذا النزاع في الجزائر وأتساءل: لماذا أجهدت الجزائر شعبها وقدراتها وانفصلت عن فرنسة وبين أضلعها فريق ينادي بنسخة فرنسية للإسلام ؟!
 
ثالثا :
المكان:  أرض يسودها دين آخر ويتخاطب سكانها بغير العربية، اللهم إلا فريقاً من المهاجرين العرب فقد يتخاطبون بالعربية.
الزمــان :  قبل أيام  ...
الموقف :   قالها إمام مسجد في فرنسة بعبارة فصيحة ( واضحة  لا لبس فيها ) : نحن لا يعنينا من العربية إلا إتقان تلاوة القرآن ألكريم، بل لا تعنينا الحروف العربية في شيء  ، فقد كَفَتِ الحروف اللاتينية التي امتنَّ علينا بها المستشرقون و أضافوا إليها رموزا تـُمكن أهل البلاد من قراءة العربية وكتابتها. أما العلوم الإسلامية  فندرسها بالفرنسية و الفرنسية هنا السيدة !!
التحليل :   ذكر الله "سعيد عقل " في بيروت  بألف خير فما قالها بهذه الصراحة . لكن التمس لأخيك ألف عذر  .
 ملحوظة :  لن يدخل في التقسيم التالي المهاجرون إلى ديار الغرب الذين آمنوا بالعربية  عنصرا يبرز عناصر تكوين شخصيتهم العربية  و رُبّوا على الفصحى وتذوّقوا سحرها .
يكوّن الآخذون بهذا القول فريقين : أما أحدهما فقد ولد أفراده في غير حضن الإسلام  والعربية ، ثم امتن الله عليه ، فظن في نفسه أنه التزم الإسلام ، و لا فرق بين من وُلد لأبوين مسلمين اسما أو حقيقة ( وهم الجيل الثاني من المهاجرين)، ثم صحا وأراد التزام الإسلام لقناعته بهذا الدين ، أو للعودة إلى الأصول !! و بين من كان غير   مسلم ثم اهتدى و أشهر إسلامه ونطق بالشهادتين.
 آمن هذا الفريق بهذا الواقع و صار جزءا من عقيدته يدافع عنه بإيمان.
أما الآخر فقد وُلد أفراده في حضن الإسلام والعربية، ثم هاجروا رغبـة أو رهبـة. ( وهم من سموا الجيل الأول من المهاجرين ) وخالطوا أهلها فرأوا هذا الواقع و أقروا بعجزهم عن مواجهته فتعايشوا معه مندمجين فيه فكانوا يدا واحدة مع الفريق الأول .
النتيجة:  أن الفريقين تساهلا في أمر العربية ولم تأخذ كثيراً من همومهما.
 
ملحوظتان:
١ - هذا تقسيم تقريبي غير دقيق تماما.
  ٢- لن أُدخل في حسابي من يعمل واعياً لأهداف لا تخدم العربية.
 
 
 
 التعليقات
 
  قد يقول قائلهم : "إنك تخلط عباساً بدبّاس" و تتحدث عن واقع عربي تعيشه اليوم تريد منه أن تُكوّ ن نظرية علمية اجتماعية . مثَلك في هذا مثَل أولئك الذين يعزلون أنفسهم عن المجتمع ، و يأخذون( بالتفلسف )!! أنت صادق في حديثك عن الغربَيْن :  الأدنى( أوربة ) والأقصى ( أمريكة )، والشرقين : الأدنى للوطن العربي ( إيران     وباكستان...) والأقصى ( الهند والصين... )، و بلاد تتصارع فيها العربية و الفرنسية ( المغرب والجزائر وتونس... ) تصارعاً متفاوتا في حدّته . أما  في آسية العربية والبقية الباقية  من أفريقية العربية  فلن تجد هذه الظاهرة .
  و أقول: لا أجد لنفسي إلا الإصرار على ما أقول لظني أني أقدّم برهانا يقنع السامعين، و ليقولوا: "إنك في ضلالك القديم!!" و الحقيقة - كما أراها - أن الجناح الشرقي من الوطن العربي حيث يقال: "إن العربية راسخة رسوخ الجبال!!" لا يلتزم الفصحى ذاتها و إنّما لغةً أقرب إلى الفصحى، و لن تجد فصحى الأصالة إلا في تلاوة القرآن الكريم وفي لغة قوم يسميهم "الواقعيون": "المتقعرين في اللغة" !!
   إن اللغة السائدة ( المحكيّة ) في الشارع العربي الأصيل !! لغة نأت عن الفصحى ولا أفضّلها - بعد تجربة الحديث بها شطراً من حياتي - على اللغة السائدة ( المحكيّة ) في الشارع العربي الجزائريّ !!
  أما لغة المثقفين فإنّما هي لغات: لغة يومية تقاربت في أرجاء الوطن العربي، واستطاعوا التخاطب  بها، و لغة الحديث الرسمي  التي تقارب  الفصحى و لا ( تطابقها ) ، و إنما تتفاوت تبعا لقدرات المتحدث اللغوية و رغبته في الالتزام بها ، ولغة الكتابة - وهي أقرب إلى الفصحى من  لغة الحديث الرسمي في ظاهر الأمر- مختلفة في القرب و البعد حين نسمع ما يقرؤون ... و لا يشكّ أحد أن المتخصصين في اللغة - وليس التخصص شهادة رسمية فقط -أقدر على الالتزام بالفصحى، بيد أننا لا نلتزم بها كما نفعل حين نتلو القرآن الكريم و كما يفعل بعض القوم.
  بل يتفاوت الأمر من قطر عربي إلى آخر ، ففي بعضها  يخجل المسؤولون أو المتحدّثون في المحافل  والإذاعات من أخطاء النحو، مع التساهل في دقّة معاني المفردات اللغوية ومعانيها، والتراكيب العربية الفصيحة، والفصل والوصل ... و في قطر عربي آخر يعجب المتحدث في المحافل  والإذاعات أن  يجاريَ اللغات السائدة لأنها أقرب إلى قلوب الناس ، وأقدر على التأثير فيهم !! بل إن بعض "كبار" الدعاة إلى الإسلام آتاهم الله قدرة الحديث باللغة السائدة  والتأثير في الناس !! ، ولم ينقص من دعوته شيء، حين حرمه الله معرفة العربية، و العلم أيضا.
 
من تاريخ العربية
   لماذا وقعنا في هذا المرض ؟ لن نعرف السبب إلا بالعودة إلى التاريخ  و المرور  بما فعله الخليفة  المعتصم البطل الشجاع ملبيا نداء المرأة العربية "و ا معتصماه !" - أترك لأهل اللغة تقويم هذا النداء - والتعرف على خصائص المجتمع في ذلك الوقت .
   نعم ! تميّز الخليفة المعتصم  بالشجاعة ، ولكن هل كانت له كل الصفات التي تمتع بها من سبقه من الخلفاء  كالأمين والمأمون ؟ لا تحشرونا هنا في الصراع السياسي ! كان المعتصم أول خليفة نزع الله منه صفة العلم كما كانت لمن سبقه من الخلفاء ، وما كان بِدْعا في المجتمع ، فقد أخذت فيه العربية تتهاوى مع الاتساع السريع لرقعة الوطن العربي ، وتزايد أعداد الناطقين بالشهادتين وبالعربية، مخلصين لله إسلامهم، أو طامعين بالحظوة في المجتمع الجديد ، أو  مدفوعين بغايات  أخرى - ولم يستطع كثير منهم تعلّم  العربية الأصيلة كما تلقيناها من منابعها الأولى قبل منتصف القرن الثاني للهجرة - دون أن ننسى أن المخلصين منهم كانوا كثيرين جدا ، وتصدّروا مع العلماء ذوي الأصول العربية مجالس العلم  مثل سيبويه و أبي حنيفة ...و بذلوا جهوداً جبارة مع العلماء الآخرين للمحافظة على العربية الأصيلة، وو ضعوا القواعد العربية المعروفة .
وبعد المعتصم تهاوت الدولة وتقاسمها حكام  - لهم فضائلهم ومعايبهم - في دويلات هزيلة . قدّروا العلماء وحافظوا على العلم ولكن في شروحات و تلخيصات وتعليقات وجمود واجترار لما سبق دون أن ننكر بقع الضوء المتناثرة . قدّسوا العربية تعشّقا للقرآن الكريم أو حفاظا على أصالتهم أوْ لَهُمَا معاً ولكن تعذّر على كثير منهم إتقان العربية والعودة إلى المراجع العربية الإسلامية. أنجزوا أعمالاً تسجل لهم في التاريخ كانتصارات صلاح الدين  لكن، كل ما فعلوا لم يُعِد  للدولة عزّها ولا للعلم مجده التليد و لا للفصحــى أصالتها. تخلّفنا وتقدّم الغرب بالعلوم التي أخذها عنّا - و لا تثريب عليه - حتى صحونا - وكلمة الصحو  لا تعبّر عن الحقيقة لكننا نردّد ما جاء في التاريخ !! - وجيوش الاستعمار - وكلمة الاستعمار ترجمة صحيحة للكلمة الأعجمية التي تذرعوا بها لاحتلال أراضينا - تُمزّق الدولة العثمانية  تحقيقاً للسنّة الاجتماعية القاضية بغلبة القويّ و هزيمة الضعيف و تطبيقاً لفكـــرة  ( نظرية ) ابن خلدون في ( البداوة والحضارة ) .
   انتصر الغرب على الشرق سياسياً باحتلال أراضيه، و فكريّاً  بأخذ فكر الغرب سليمه و سقيمه، و اجتماعيّاً بالجنوح إلى عادات الغرب جيّدها و رديئها، والتخلّص من فضائل  الشرق ورذائله !! و كان للفصحى نصيب كبير من كل هذا .
 
من تركيّة الفتاة ( الحديثة ) انطلقت أبرز الحركات التي جعلت ما سبق أهدافاً وشرعة ومنهاجا، وكان لكمال أتاتورك الفضل الأول في قيادة هذه الحركة ووضع فلسفتها وإقامة دولة حديثة على أنقاض الخلافة العثمانية أوّلا :  بمحاولة التخلّص من تاريخها الطويل المطبوع - منذ تأسيسها - من خليط من التركية  السائدة والعربية والإسلام ، بنقل عاصمتها من إستا نبول إلى أنقرة التي تضمّ  مؤسسات تذكّر بما قامت عليه الخلافة العثمانية ، والقضاء على العربية  ومظاهر الإسلام العتيقة، و ثانياً : بنشر العلم الحديث، ونقل النظم السياسية  الاجتماعية الغربية  ( الديمقراطية والعَلمانية ) . و كان على المتديّنين أن يعانوا في المحافظة - سرّاً أو علناً -على القرآن الكريم و مبادئ دينهم الموروثة واللغة العربية والتمسّك بصبغتهم التركية.
   
ولم تنج البلاد العربية من هذا التيار  وإن اختلط فيه الإسلام اختلاطاً مبهماً بالعربية تأثّراً بالصراع مع الدولة التركيّة أو - بمعنى أدقّ - مع الاتحاديين. و تحوّل الصراع من عربي تركي إلى صراع قام بين العرب فصاروا فرقاء متناحرين : فريقاً يدافع عن ماضي  الأمجاد التليدة، و فريقاً آخر يدعو إلى التغريب، و فرقاء يمزجون التيارين، منهم من يُقدّم القديم على الحديث، ومنهم من يُفضّل الحديث على القديم ، وبين هذا وذاك ألوان و ألوان  !!
  
وبعد انفصال العرب عن الأتراك ، تجزأت البلاد العربية إلى دويلات مختلفة وأقاليم متباعدة ، وتعمّقت القسمة السياسية ،  ثمّ وقع ما هو أخطر إذ ( تجذّرت ) الشخصيات الإقليمية الاجتماعية في كلّ دويلة و إقليم ، و أخذت تضغط على الفصحى لتوافق خصائص كل جزء ، وسادت اللغات العاميّة  التي تتطبّعت-أحياناً -  بالتاريخ المحليّ المذكّر بأمجاد اندثرت منذ  أكثر من خمسة عشر قرنا  !  و أخذت تظهر في الأفق دعوات بعض المفكرين – حاشا جمهور الناس  - إلى تكوين  شخصيّات مصرية تطبعها الفرعونيّة، ولبنانيّة تتشرّب الفينيقية و الأرزية ، وسورية تمدّ بجذورها إلى السريانية  و ما ذكرت الأخيرة  إلا لأكمل القافية  !!
  و لولا الإيمان بخلود الفصحى لخلود القرآن الكريم لقلت: إن مصيرها لن يكون خيراً من مصير اللاتينية التي حلّت محلّها لغات أخرى سمّوها فرنسية و إيطالية وأسبانية وبرتغالية و رومانية، بل أخذت تحلّ محلّها اليوم لغات سائدة تتباعد في أصولها.
و هل نكتفي بهذا الإيمان وحده؟! كلا ، بل علينا أن نبادر إلى كلّ سعي ممكن نجعل به الفصحى :
- تتخلص من كلّ أثر محليّ، ولا تفضح الناطق ولا تبرز لكنته الإقليميّة.. إلا  اللمم !!
-  وتُنطق مَلَكة وسليقة وطبعا ،
- ولا تحرِّف الحروف، كالأحرف اللثويـــة ( ث – س، ذ – ز، ظ - )، والضاد العربية المتميّزة( ظ، د..)، والقاف( ء، ك، ق )، والجيم ( ش أو إهمال تعطيشها )، الكاف ( ش )، و ما أكثر اللحن الخفيّ!!
- ولا تنحرف عن القواعد فلا تميل إلى التسهيل فتضيع ونضيع معها !
 من يدّعي أن القرآن الكريم يُترجم ، و أنّ لغة الإنسان قادرة على التعبير عن معانيه كما عبّر عنها ، ومن ينسى قول المترجمين : إنّ لكلّ لغة خصائصها ، فدلالة الألفاظ متشعبة ، والتراكيب مختلفة في معانيها ، والمجاز  في لغة قد لا يُفهم  في لغة أخرى .  هذا رأيهم في كلام البشر ، فماذا سيقولون لو  آمنوا  بالقرآن الكريم كلام الله المعجز ؟!  ثمّ أتدّعي أنّ الألفاظ الأخرى لها تأثير في الروح والنفس كتأثير  ألفاظ القرآن الكريم ؟!
        
 كيف تتذوق جمال العربية بدون أن تتعلّمها و تتعمّق أسرارها ؟!
         
وكيف تُحافظ على شخصيتك إذا قطعت جذورها التاريخية  ؟!
   
وكيف تتعبّد بتلاوة القرآن الكريم ؟ أ تتعبّد بكلام البشر الذين يدّعون أنّهم نقلوا معانيه؟!
               
و كيف تتعبّد بتلاوة القرآن الكريم؟ أ تتعبّد بقراءته بالحروف اللاتينيّة وأنت لا تفهم ما تقرأ ؟! أو لا تعلم أن فهمه والتأثّر به يتعمّقان كلما تعمّق فهمك للعربية ؟!
               
ولايكتمل إسلام المرء بدون أن يتعلّم العربيّة تعلّماً يُعينه على فهم القرآن الكريم وحسن التعبير عنه..
 ثم  أفتوني يا أهل الفتيا - : كيف تفتون الناس ، أحصلّتم العلم الغزير الذي يسمح لكم بالفتوى؟ هل تترجمون كلّ هذه المراجع إلى لغتكم؟ أ تستطيعون طبعها كلّها أو تخزينها في الحواسيب؟
لا يمكن لعالم أن يتصدّر الفتوى والإمامة بدون تعمّق دراسة العربية، بالإضافة إلى وجوب معرفة لغة القوم، والبيئة التي يتصّدر فيها لهذين الأمرين.
  و للختام إيضاحان :
١ - رأيُنا صواب يحتمل الخطأ، ورأيُ غيرنا خطأ يحتمل الصواب.             
٢ – أرجو ألا يفهم مما أقول دعوة إلى التنابذ والاختلاف، وبخاصة مع أفراد المجتمعات الغربية ، وهم يقبلون منك الحوار، بل إنني أدعو إلى قبول التعايش الاجتماعي التعاوني مع الآخرين وكل له رأيه  والواجب أن يحترم كل منهم الآخر.
 
                                     

باريس / ٢١ / ٧ / ٦ ٠ ٠ ٢ م
من الأخت الكريمة جيهان عوض
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد
( لا نختلف في أنّ القرآن هو عمق العربيةولكنني سأختلف معك في أنّك لا تؤيد ترجمة معاني القرآن. حتى لو لم نكن دقيقين في ذلك إلا أننا ربما نقرّب الفكرة إلي أذهان غير الناطقين بالعربية ولديهم فضول وشغف لمعرفة ماهية هذا القرآن. لكننا أيضا علينا إبلاغهم أنهم لم يعرفوا بعد كل القرآن فالعربية وفهمها الدقيق شرط لفهم معاني القرآن بدقة وعمق .
 
وكيف تتعبّد بتلاوة القرآن الكريم ؟أ تتعبّد بكلام البشر الذين يدّعون أنّهم نقلوا معانيه؟!
و كيف تتعبّد بتلاوة القرآن الكريم؟أ تتعبّد بقراءته بالحروف اللاتينيّة، و أنت لا تفهم ما تقرأ ؟! أو لا تعلم أن فهمه والتأثّر به يتعمّقان كلما تعمّق فهمك للعربية ؟!"
 
لا أحد يتعبد بالفرنسية أو  الإنجليزية ؟ بمعنى أنهم يحفظون الآيات كما هي بالعربية ويقرؤونها كذلك لكنهم يحاولون تقريبها إلى الفهم بلغتهم التي يتحدثون .
عرفت شابا نيجيريا مسلما يصلي بالعربية ويقرأ القرآن بالعربية لكني حينما سألته ماذا تعني كلمة "رحمان" أجابني بالإنجليزية !
عادة كل من يلتزم بالإسلام يبدأ بمحاولة الخوض باللغة العربية لأنهم يدركون ألاَّ فَهْمَ دَقِيقاً للقرآن بدون التعمق بالعربية. لكني لن أقول للشاب النيجيري: "أنت لا تفقه القرآن. اذهب وتعلم العربية جيدا ثمّ تعال واقرأ القرآن !!"
هؤلاء في كل مرة يتقدمون في تعلم اللغة، سيجدون فرقا في قراءتهم للقرآن وفهما أعمق للمعاني.
 
للخطيب الذي قال إنه لا يلزمنا من العربية سوى قراءة القرآن أقول بأنه أخطأ خطأ كبيراً فاحشاً بحق العربية. فهي ليست مجرد حروف ننطقها، وكل أسرار إعجاز القرآن التي تجعلنا نتشبث به ويزداد إيماننا به هي نابعة من أسرار اللغة العربية  فكيف يجرؤ على هذا الادعاء من يقف على المنابر ويدعو المسلمين؟!)
 
 لا أرى أنّ بيننا خلافاً في الموضوع، فأنا أرى ضرورة أن تنقل(نفس) معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى، و لكنّي أصرّ أن يتعلّم المسلم العربية لأن تلاوة القرآن الكريم عبادة، و لا تكون هذه  العبادة إلا باللغة العربية. وهذا يحتاج إلى وقت وجهد، لذلك لا بدّ أن نفهمه المعانيَ بلغته، وأن نعلّمه الضروريّ ليقيم دينه. و تلاحظين أنّي لا أتعرّض للعامّة، و إنّما كلّ خشيتي من أولئك الذين يسمّون نفوسهم دعاة ولم يعرفوا شيئاً من العربية و لا يجهدون لتعلّمها. رأيت من أسلم منذ ثلاثين سنة و هو يدّعي أنّه يرفع راية الدعوة و ما زال بحاجة إلى تقويم قراءته للقرآن الكريم.
 
( لطالما كنت أعيب على كثير من الدعاة "جمودهم " في استخدام اللغة العربية الفصحى. فعلا نحن جيل لا نعرف كثيراً من "طلاسم" اللغة العربية الفصحى، ولربما لا تؤثر فينا مثل اللهجة التي نستخدمها يوميا فهي أقرب إلى نفوسنا وأكثر تأثيرا .
لا تحكم على هذا الداعية أنه محروم من التعمق بالفصحى فلعله أقدر منا جميعا لكنه اختار  لهجة محببة من النفوس والقلوب سيما للجيل الشاب وملك بالفعل مفاتيح التأثير عليهم.
بعض الدعاة يستخدمون لغة قريبة من النفس وإن كانت فصيحة ولا يتعمقون بألفاظ قد لا نفهمها. هؤلاء من الوسطية التي نحبها ونسمعها .)
 
لدينا اصطلاح يُفرّق بين الفصحى و الفصيحة. فالداعية مع العامّة يمكن أن يلتزم بالفصيحة السليمة المفهومة، فهم يسمعونها من الإذاعة إلا أخطاء تُرتكب. و الداعية المتمكّن قادر على ملاءمة ( تكييف) الفصحى لمقتضى الحال، فالمعروف تربويّاً أنّه لا يصحّ مخاطبة الأطفال في الصفّ الأول بغير الفصحى. إنّ اختيار الكلمات من العاميّ الفصيح المفهوم  و تطويع اللغة بما لا يُخالفها و ما يُصاحبها من تلوين للصوت و إشارات و حركات خير معين للمعلّم و للداعية، ولذلك كان علينا أن نختار المعلّم من المتميّزين، و بخاصّة للصفّ الأوّل، وأن يكون الداعية ذا قدرات عالية وإعداد متميّز.

أمّا الفصحى المتأدّبة فلا تصلح إلا للخاصّة.
========================
ما أروع النداء: ( يا زيد الخير ) ، و أحببْ به عندما تتلقّى الأذن رنينه!
 المشكلة إذا تحوّل هذا النداء من الخاصّة إلى العامّة. أوّل ما يفعلون حذف ( الخير ) فلا ندري نوع الزيادة، ثمّ  تقع الطامّة الكبرى حين إمالة الياء.
 أراد أبي – رحمه الله – أن أسمّيّ ولدي الأوّل اسم ( غازي )، معجَباً بالنشيــد البدويّ ( يَبو غازي، يَباشة العربان..)، فوقعتُ بين نارين: أريد أن أرضيَ أبي، ولا خير في ولد عقّ أباه، و أكره تحريف الحمامصة للاسم حين يميلون الياء. لا أستطيع هنا تصوير قبح لفظه، إلا إذا أنعم الله عليك فسمعته من حمصي أصيل!! فكان اسمه ( مهنّد غازي)، ثمّ درج اسم ( مهنّد).
 أمّا نور الدين فاسم كريم، ولكنّه شائع كثيرا، و أنا من رأيي أن يكون الاسم نادراً، سهلَ اللفظ على العامّة، مع جلال معناه و جمال نبْره، فيجمع بين الأصالة والمعاصرة. لا أدري قد أقترح- و لا ينفع الاقتراح لأنّ الأمر قد استتبّ كما أظنّ، و لكنّي سأذكره، و أمرك لله.
 الاسم ( سارية ) و تعرف أنّ معناه ( العلم )، و هو  اسم أحد القادة العرب الذين حقّقوا انتصارات كريمة في الفتوح الأولى، و يقال: إنّه كاد ينهزم لولا أنّ عمر بن الحطّاب- وهو على منبر رسول الله- تداركه منادياً: يا ساريةُ، الجبلَ، الجبلَ! فلبّى النداء  وانحاز إلى الجبل و كان النصر المبين.
قد أكون زدت حيرتك فاستخر و توكّل و حُلّ الأمر.
و بورك الاسم والمُسمّى.

 





 

حكاية الأرقام العربية

كتبها: الباحث فيصل الملوحي



لفت نظري موضوع التبس كثيرا على إخواننـا في جناحنـا الغربـي من وطننا العربي الحبيب، وبخاصـة في تونــس الخضـراء. وقد أعاد إلي الذكرى ما قامت به صحيفة محليـة من تغييرات كثيرة في إخراجهـا، كان من أبرزها اعتمادها ( الحرف العربيّ الأصيل في كتابة الأرقام ) ، وهو الحرف الذي أخذه الغرب عنّا فسـاد اعتقاد خاطئ بأنه حرف عربيّ أصيل...!!
وقد ذكر أستاذ للغة الفرنسية ّ مثل هذا الرأي منذ أيام،  فذكّرني بما كنت أسمـع به في المغرب العربي – نصفنا القلبيّ الأيسر – وفي فرنسة من العـرب الذين أخذوا بقليل من العربيـة وكثير من الفرنسية، أو بمعلومات مبتسرة مـن ثقافتنا الأصيلة، ومعلومات وافرة من الثقافة الغربية، فقد كنت أقول لهـم: إنّ معلوماتكم صحيحة لا غبار عليهـا، لكن ما بنيتم عليها هو الخطأ والخطر، إنه خطـأ علميّ في نتيجته وفي منهجه، وهو خطر على تفكيرنا العربي إذا انساق وراء فكر ظاهره العلم، وباطنه الانحراف عن منهج البحث العلمي. نعم ! نحن نقرأ في الفرنسية (les chiffres arabes) وفي الإنجليزية Arabic ciphers (وهو إقرار منهم بهذا الأصل العربي، وبخاصة إذا عرفنا أن المنطلق كلمة (الصفر ) العربية، والدائرة التي ترمز إلى الفـراغ وهي من رموز لغـة الرياضيات، ثم انطلقوا من الصفر إلى الأرقام الأخرى ورمـزوا بالزاوية الواحدة إلى الواحد – 1-، وبالزاويتين إلى الاثنين – 2 -وهكذا باقـي الأرقام إلى التسعة.
لقد ظهر هذا الاتجاه في الأندلس، وعنها أخذ أهل الغرب العلوم العربية البحتة، ولم يدرس العلوم النظريـة الأخرى إلا فئات خاصة ليس بحثنا مجالاً للخوض في الأسباب والظواهر.
إذاً درس الغربيون الرياضيات، ودرسوا هذا الجانب النظري للأرقام دون أن يفطنوا إلى الجانب العملي التطبيقي، ولم يعلموا أن العرب لم تدخل في حياتهم هذه الأرقام، ولم يستعملوها في علومهم أو حياتهم العامة أو دواوينهم أو تجارتهم، وظلّوا على الأرقام الهندية التي عاشوا عليهامنذ أن عرفوا الكتابة.
وإذا جاز للغربيين أن يقعوا في مثل هذا الخطإ، فهل يجوز لمثقفينا العرب في هذا العصر أن تُغرَّب عقولهم فتستقيم على المنهج العلمي في العلوم البحتة، وتنحرف عن الصواب فيما يخصّ تاريخها وتراثها وشخصيتها الحاضـرة ؟ هل عندهم أثارة من علم تخبرهم بغير هذه الحقيقة ؟
من قال: إن العربية في أصولها لم تتأثر بغيرها من اللغات ؟ من يخالف القول  بوجود كلمات أصولها غير عربية في القرآن الكريم ؟ ولكن من يجــرؤ على القول إنها ألفاظ غير عربية والقرآن العربي يُتلى بين أظهرنا ليل نهار ؟! 
لو عدتم إلى علم الاحتجاج – الذي كادت تنساه كلياتنا العربية – لوجدتم أن ما استقرت عليه ألسنة العرب الأقحاح في القرن الأول وقسم من القرن الثاني هو اللسان العربي المبين، وما علينا سوى أن ندافع عن هذا اللسان، وأن نعتز به كما تعتز الأمم بألسنتها لتحافظ على شخصيتها وكيانها، وأن نخدمه بشتى الطرق الحديثة المتاحة. 01 
ملحوظة: لم ينتشر استعمال ما يسميه بعضهم (الأرقام العربية) في المغرب العربي و تونس بخاصة إلا في نهاية القرن العشرين، و الأمر متردّد في الحزائر بين أنصار الفصحى الأقحاح وبين من يحاولون أن يكونوا من أنصار الفصحى !!                                                                       
، 2، 3.....
 أرقام عربية أم هندية ؟!
 عبد الله زقيل
مـن قـرارات الـمـجـمـع الـفـقـهـي بـمـكـة الـمـكـرمـة:
الـقـرار الـثـالـث: فـي عدم جواز اسـتبدال رسم الأرقام المـسـتـعـمـلة فـي أوروبة بـرسـم الأرقام العربـيـة:
 
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا - أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد نظر في الكتاب الوارد إلى الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي من معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في الأردن الأستاذ كامل الشريف، والبحث المقدم من معاليه إلى مجلس الوزراء الأردني بعنوان " الأرقام العربية من الناحية التاريخية " المتضمن أن هناك نظرية تشيع بين بعض المثقفين مفادها أن الأرقام العربية في رسمها الراهن (١-٢-٣-٤ ...) هي أرقام هندية، وأن الأرقام الأوربية (etc 4-3-2-1) هي الأرقام العربية الأصلية، ويقودهم هذا الاستنتاج إلى خطوة أخرى هي الدعوة إلى اعتماد الأرقام في رسمها الأوروبي في البلاد العربية، داعمين هذا المطلب بأن الأرقام الأوربية أصبحت وسيلة للتعامل الحسابي مع الدول والمؤسسات الأجنبية التي باتت تملك نفوذاً واسعاً في المجالات الاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية، وأن ظهور أنواع الآلات الحسابية و(الحواسيب) التي لا تستخدم إلا هذه الأرقام يجعل اعتماد رسم الأرقام الأوربي في البلاد العربية أمراً مرغوباً فيه إن لم يكن شيئاً محتوماً لا يمكن تفاديه وما تضمنه البحث المذكور من بيان للجذور التاريخية لرسم الأرقام العربية والأوروبية.
واطلع أيضا على قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته الحادية والعشرين المنعقدة في مدينة الرياض ما بين ١٧ - ٢٨ من شهر ربيع الآخر عام ١٤٠٣هـ في هذا الموضوع، المتضمن أنه لا يجوز تغيير رسم الأرقام العربية المستعملة حاليا إلى رسم الأرقام المستعملة في العالم الغربي للأسباب التالية:
أولا: أنه لم يثبت ما ذكره دعاة التغيير من أن الأرقام المستعملة في الغرب هي الأرقام العربية، بل إن المعروف غير ذلك، والواقع يشهد له، كما أن مضيّ القرون الطويلة على استعمال الأرقام الحالية في مختلف الأحوال والمجالات يجعلها أرقاما عربية، وقد وردت في اللغة العربية كلمات لم تكن في أصولها عربية وباستعمالها أصبحت من اللغة العربية، حتى إنه ورد شيء منها في كلمات القرآن الكريم (وهي الكلمات التي توصف بأنها كلمات معربة).
ثانياً: أن للفكرة نتائج سيئة، وآثاراً ضارة، فهي خطوة من خطوات التغريب للمجتمع الإسلامي تدريجياً، يدل لذلك ما ورد في الفقرة الرابعة من التقرير المرفق بالمعالمة ونصها "صدرت وثيقة من وزراء الإعلام تفيد بضرورة تعميم الأرقام المستخدمة في أوروبة لأسباب أساسها وجوب التركيز على دواعي الوحد الثقافية والعلمية وحتى السياحية على الصعيد العالمي".
ثالثاً: أنها "أي هذه الفكرة"ستكون ممهدة لتغيير الحروف العربية واستعمال الحروف اللاتينية بدل العربية ولو على المدى البعيد.
رابعاً: أنها "أيضا" مظهر من مظاهر التقليد للغرب واستحسان طرائقه.
خامساً: أن المصاحف والتفاسير والمعاجم والكتب المصنّفة جميعها تستعمل الأرقام الحالية في ترقيمها أو في الإشارة إلى المراجع، وهي ثروة عظيمة هائلة، وفي استعمال الأرقام الافرنجية الحالية (عوضاً عنها) ما يجعل الأجيال القادمة لا تستفيد من ذلك التراث بسهولة ويسر.
سادساً: ليس من الضروري متابعة بعض البلاد العربية التي درجت على استعمال رسم الأرقام الأوروبية، فإن كثيراً من تلك البلاد قد عطلت ما هو أعظم من هذا وأهم وهو تحكيم شريعة الله كلها مصدر العز والسيادة والسعادة في الدنيا والآخرة فليس عملها حجة.
وفي ضوء ما تقدم يقرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ما يلي:
أولاً: التأكيد على مضمون القرار الصادر عن مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في هذا الموضوع والمذكور آنفا والمتضمن عدم جواز تغيير رسم الأرقام العربية المستعملة حالياً برسم الأرقام الأوروبية المستعملة في العالم الغربي للأسباب المبينة في القرار المذكور.
ثانياً: عدم قبول الرأي القائل بتعميم رسم الأرقام الشائعة في أوروبة بالحجة التي استند إليها من قال ذلك، وذلك أن الأمة لا ينبغي أن تدع ما اصطلحت عليه قروناً طويلة لمصلحة ظاهرة وتتخلى عنه تبعاً لغيرها.
ثالثاً: تنبيه ولاة الأمور في البلاد العربية إلى خطورة هذا الأمر، والحيلولة دون الوقوع في شرك هذه الفكرة الخطيرة وعواقبها على التراث العربي والإسلامي.
والله ولي التوفيق وصلى الله علي سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الــمــصــدر: فــتــاوى إســلامــيــة (٤/٥٢٨- ٥٣٠)..





 

براءة الإسلام من الكَهانة والكهّان
L'islam est contre prêtrise et les le prêtres La

 

كتبه: فيصل الملوحيّ

تقديم:
 
أولاً: الانحراف بفطرة التديّن إلى الخرافة:

لا شكّ أن التدين جِبِلَّة في نفس الإنسان، خُلقت مع خلقه حين نفخ الله فيه من روحه.
ينوي الإنسان أن يلتزم الدين.. فإمّا أن ينجح فيما يرمي إليه فيتطابق تديّنه مع الدين المختار، أو أن يُخفق فيبتعد ابتعاداً تختلف ( درجاته ) من إنسان إلى آخر.. 
المشكلة أن عوائق كثيرة تمنع هذا الإنسان الالتزام الصحيح بالدين، من أبرزها الخرافة التي هي من نوازع النفس البشريّة التي تتأرجح بين الخير والشرّ، فيسير على هدى عقيدة منحرفة ويسلك سلوكاً شاذّا..
كل المثقّفين قرؤوا عن الخرافة في كتب السلف(السلف: الآباء والأجداد الأقدمون).أما في هذا العصر فلدينا بقايا أخطر وأعمق من الخرافة لأنها تتخذ من العلم لسانا لترويجها، و من الدين درءاً لتمكينها في النفوس.. فيضل الباحث عن الحق، ويسيّر في طريق رسمها له آخرون – ذوو نوايا حسنة أو نوايا خبيثة – ويقف من يريد أن يدفع عن الحق التشويه موقف العسر– و إن مع العسر يسرا – فلا يتمكّن من البيان - فمروّجو الخرافة لعبوا بمعاني الألفاظ – و لا يجد منفذا لتصحيح هذا التحريف لأن كل من سينتقدهم و يبيّن تهافتهم جاهل مارق!!

ثانياً: صورتا الانحراف عن الدين:
قد يأخذ الانحراف عن الدين صورة التشدّد كما في موضوعنا اليوم، وقد يأخذ صورة التفلّت منه، ولكنّي أرى الصورتين توضعان حقيقة تحت عنوان التفلّت.
وقد التزمنا في بحث اليوم التحذير من مظاهر توهم الناس بأنّ أصحابها أكثر التزاماً بالدين.
وخوفاً من أن يفهم أن هذا البحث يعضّد جانب المتفلّتين أحببنا أن نشير إلى أبحاث أخرى عرضنا فيها صوراً أخرى لأصحاب التفلّت.



أولاً: معنى الكَهانة

أمّا الكهنوت فلفظ معرّب بمعنى رتبة الكاهن‏، وهو في الأصل خادم لله يُصلّيَ بالناس ويوصّل كلمته – تعالى- إليهم كالخطيب في الجامع، ثمّ توسّعت هذه الصلاحيّة فصار واسطة الخلق إلى الله، وبه وحده تصل العبادة إلى الله، ولا توبة من ذنب ما لم تمرّ عبره. وهو قريب من اعتقاد المشركين في الأصنام يوم عبدوها ( أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَاهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ۞الزمر٣).الأصنام حجارة لا تستغلّ أحداً بيدأنّها تهبط بعقول الناس حين يدّعون لها قدرة خارقة.ويُستغلّ هذا النفوذ عادة سدنة يقومون على خدمتها و يلعبون بعقول الناس، فيؤدّون عمل الكاهن.
الكهنوت كلمة تدلنا على جمع من الكهّان أي طبقة رجا ل الدين وتوصف أعمالهم بالقداسة.
و الكَهانة عمل الكهّان.
اتّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۞ التوبة٣١
"اتَّخَذُوا أَحْبَارهمْ" عُلَمَاء الْيَهُود "وَرُهْبَانهمْ" عُبَّاد النَّصَارَى "أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه" فقد اتَّبَعُوهُمْ فِي تَحْلِيل مَا حَرَّمَ اللَّه وَتَحْرِيم مَا أَحَلَّ "وَالْمَسِيح بْن مَرْيَم وَمَا أُمِرُوا" فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل "إلَّا لِيَعْبُدُوا" أَيْ بِأَنْ يَعْبُدُوا "إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَه إلَّا هُوَ سُبْحَانه" تَنْزِيهًا لَهُ .


ثانياً: موقف الإسلام من الكَهانة:

نردّد جميعا هذه العبارة: لا كهنوت في الإسلام أي أن الإسلام دين الدنيا والآخرة (أو بتعبير غيردقيق دين ودنيا ) ، و ليس دين رهبنة تقطع الإنسان عن دنياه للعبادة، وإنما هو دين شامل لكل شؤون الحياة، بل إن الأعمال الصالحة التي لم تصبغ بصبغة تعبدية بحتة يمكن عموما أن تصيرعبادة بإخلاص النية لله تعالى وابتغاء مرضاته بذلك الفعل. ليس بين العبد وربّه حاجز، فالله وحده يتولّى السرائر ويحاسب على النوايا، وليس للسلطات الدنيويّة سوى ما ظهر على الجوارح، ولا يمكنها الاطلاع على دخائل الإنسان. وتعلمون أن الإسلام طلب من العبد أن يدعو الله بلا وساطة لأنه أقرب إليه من حبل الوريد:( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ۞سورة ق- ۱٦)

حرر الإسلام العبادة من سلطان الكَهانة
L'islam a liberé l'adoration de la domination de la prêtrise
واسفاه، عاد اليوم بعض المسلمين إلى بعض الكَهانة ( أقول: بعض ( 

Hélas, aujourd'hui,certains musulmans retournaient à la prêtrise

المسلمون بعامّة أبعد أهل الديانات عن الكَهانة، لكنّا في مواقف محدّدة نجدنا نأخذ بشيء من الكهانة، أي بسنّة بعض من كان قبلنا ممّن حرّفوا دين الله. أخرج الطبرانيّ من حديث المستورد بن شداد رفعه : لا تترك هذه الأمة شيئا من سنن الأولين حتى تأتيه - حدثنا محمد بن عبد العزيز حدثنا أبو عمر الصنعانيّ من اليمن عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبّ تبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن؟ وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي الطَّرِيقِ لَفَعَلْتُمُوهُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَالسَّنَّةُ لُغَةً الطَّرِيقَةُ حَسَنَةً 

كانَتْ أم سَيِّئَةً، وَالْمُرَادُ هُنَا طَرِيقَةُ. المزيد سنن الترمذي- كِتَاب الْفِتَنِ في صحيح البخاريّ.
لم يدعُ الأنبياء إلى الكَهانة ، لكنّ بعض من حملوا مسؤوليّة الدعوة إلى الله بعدهم انحرفوا عن نهجهم إمّا جهلاً وإمّا جنوحاً لنوازع خاصّة أو خدمة لجهات أخرى. 
مشكلة بعض المسلمين أنهم لا يدققون فيما يقولون ويكتبون. هم سليمو النية، ولكن العلم ينقصهم وهذا ما يؤدي إلى تشويه الدين، فتحولت صورة الإسلام في حالات كثيرة إلى الكَهانة مع أنه هو أول من حاربها.


ثالثاً:مظاهر الكَهانة في الماضي والحاضر:
التدين فطرة فطر الله الناس عليها، لكنّ الفطرة قد تنحرف في مظاهرها وسلوكها وغايتها.
ومن أخطرالانحراف ما يُظنّ أنّه استمساك بالدين فيخدع العامّة، فيقبل بعضهم على هذا الدين المنحرف، ويفرّ آخرون منه ، لكنّه في كلّ حال ضلال لا يرضى به الخالق العظيم.


أ- تحريف الأديان السابقة:
انظر إلى تحريف الأديان السابقة للإسلام حين اتخذ رجالها وسائل ومراسيم كثيرة لم يُرد بها وجه الله مكنتهم من التسلط على رقاب العباد والتأثير على ضمائرهم باحتكار العبادة، فأُلجئ العباد في صلاتهم بالله تعالى إلى وسائط و مراسيم، واضطروا أن يصبّوا خيراتهم في جيوب رجال الدين. جاء الإسلام بكل ما يصلح ذلك أو يمنعه، ومن ذلك أنه حرّر الضمير من كل سلطان غير سلطان الله تعالى، فليس للصلة بالله تعالى في الإسلام وسائط، وجعل اتخاذها شركاً، ولو كان الوسيط من رسل الله عليهم الصلاة والسلام. أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدعاء فقال:{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ۞غافر الآية: ٦۰}. وقال تعالى آمرا رسوله :{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ۞} سورة البقرة الآية: ۱۸٦}. وليس للعلماء سوى شرح أحكام الإسلام وشرائعه وبيانها والإرشاد إليها. قال الله تعالى:{وَمَاأَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواأَهْلَ الذِّكْرِإِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ۞بالْبَيِّنَات ِ وَالزُّبُرِ، وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ۞سورة النحل الآيتان: ٤۳ ، ٤٤{. 
وإذا قبلنا بتعبير رجال الدين في الإسلام، فبمعنى أنّهم كلّ مسلم ( ومسلمة ) آمن بالله ربّاً واتّبع رضوانه، وليس خاصّاً بالعلماء. نعم! نحن بحاجة ماسّة إلى علماء ربّانيين عملهم إرشاد الناس وتعليمهم، وعلينا توقيرهم لهذا، لكنْ لا سلطان لهم سوى هذا. هم دعاة لا قضاة ولا أوصياء على أحد، ولا سلطة لهم على أعمال الظاهر وأسرار الباطن. 
للقضاة والحكّام والمسؤولين في الدنيا حقّ الحساب والعقابعلى أعمال الظاهر، وفي الآخرة لله وحده، أمّا أعمال الباطن فلا سلطان لمخلوق عليها،إنّها لله وحده.
نحن لا نحكم على الناس، فالحاكم هو الله تعالى، و لا سلطان لبشر على بشرإلا ما حدّده الله في شرعه، وما علينا إلا البيان، والله يتولّى السرائر.



ب- العبادة بين الإسلام والمسلمين:

انظر إلى العبادة ذاتها، فقد حررها الإسلام من قيد المكان ووربطها بالزمان في أضيق الحدود: فتح المكان كله للعبادة كما فتح الطريق بين العبد وربه قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ۞} سورة البقرة الآية: ۱۱۵ وقال رسول الله:{ وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل } – متّفق عليه -. – متى أدركته الصلاة، ففي الزمان فسحة ( كلنا يعلم امتداد وقت الصلاة من بدء الوقت حتى بدء الوقت التالي إلا الصبح ففيه تفصيل، هي صلاة مقبولة، وإن حثّنا الإسلام على التعجيل بالصلاة، قال الله تعالى:{ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودا ۞ سورة الإسراء الآية: ۷۸}. أمّا التطوّع فلا وقت له واستثنى وقتين مرتبطين بشروق الشمس وغروبها خوف أن يكون لها شرك في عبادة المسلم،وقد كره الصلاة في هذين الوقتين، ولم يحرّمها، أما ما سوى ذلك فكله زمان للطاعات المطلقة.)، وهذه القاعدة عامّة لا يخرج عنها إلا الحجّ الذي خصّ مكانه بالبيت الحرام والصفا والمروة وجبل عرفات ومنى إحياء لذكرى إبراهيم أبي الأنبياء عليهم السلام جميعا وزمانه بالأيّام الأولى من ذي الحجّة، أما الزمان فقد جعل الله تعالى لبعض العبادات مثل الصلوات الخمس ميقاتا وقال في الحج: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ۞ } سورة البقرة الآية: ۱۷۹. 
نعم! المسجد مخصّص للعبادة، والصلاة فيه أقضل، ومن أدركته الصلاة بعيداً عن المسجد فليصلّ حيث أدركته الصلاة، فهي صحيحة، وإن كانت خلاف الأَوْلى.

- أذكار المسلم :
مشكلة المسلمين أنهم أحياناً يحوّلون العبادات إلى كهنوت ، فالدعاء والذكر والصلاة كلها أمور مطلوبة للخلاص من المحن والفتن،- لكنّنا نهمل الفرائض والواجبات ونرتكب المعاصيَ، ثم نركن إلى نوافل نظنّ أنّها تمسح الذنوب. إن وجدنا بعد تفكير سليم بدون انفعال ولا هوى أن نقوم بعمل فعلينا القيام به، وماالدعاء إلا استعانة بالله أن يلهمنا الصواب ويعيننا على فعل الحقّ.
إن تبيّن لنا الحقّ بعد تمحيص فعلينا المبادرة بالعمل به، وإلا فلنعضّ على جذع شجرة كما أرشد رسول الله – صلى الله عليه وسلّم- أي أن تعتزل الفتنة!!.
ويجلس البسطاء يحلمون بظهور هذا البطل الخارق، يتقبلّون الذلّ والفقر. وهذا ما ألمسه اليوم من الدعاء لظهور صلاح الدين الذي ننتظر منه أن يخلصنا من الكابوس الذي يجثم على صدورنا، ونحن قابعون أذلاء إلا من ضحايا بريئة تقدم أرواحها، ونذرف دموعنا حزنا عليهم، نعلن عن عجزنا أمام اليهودية أو الصهيونية العالمية – مع اعتذاري للأطراف المتنازعة حول التفريق بين الدين اليهوديّ والحركة العالمية الاستيطانية، وكلنا يعلم أن كل من جاء أرض القدس، وكل من أعانه من الخارج معنوياً أو مادياً مغتصب متوحش مهدّد لوجودنا سواء اختلفنا فسمّاهم كل فريق منا باسم خاص به، أو اتفقنا على اسم واحد لهم .

ج - الإمامة والتعليم بين الإسلام والمسلمين:
انظر إلى منصبين يبدو في الظاهر أنّهما مختصّان بالصفة الدينيّة ( رغم أن كل عمل يرضي به العبد ربّه بالشروط الشرعيّة يوصف بالدينيّ ) وهما الإمامة والتعليم: 
كانت الإمامة جزءاً لا ينفصم عن واجب المسؤولين لأنّهم تمتّعوا بالشروط اللازمة لإدارة شؤون الناس ( المقسّمة في ظاهرها إلى دينيّة ودنيويّة )، ولم يفكّر أحدهم أو واحد من النّاس بمنحه أجرة عن الإمامة، و الأصل الولاية التي كُلّف بها، فمنهم من أخذ قليلا يكفي معيشته كأبي بكر وعمر وعليّ، ومنهم من تعفّف لأنّه كان غنيّا كعثمان بن عفّان.
ثمّ جاء زمان كان يقدّم للصلاة بعض العلماء تقديراً لعلمهم وتقواهم المتميّزين، ولكن لم يفكّر أحدهم بأخذ أجرة.ربّما كان بعض العلماء يأخذون عطايا يسدّون بها حاجاتهم(أقول: بعض(!

أغنت أبا حنيفة تجارته، فكان ينفق بعض ماله على تلاميذه،
وأغنى الشافعيَّ ميراثه، فأنفقه في رحلاته العلميّة،
وافتقر ابن حنبل، فعانى الحرمان في حياته، ولم يرتزق بعلمه،
و لا ننس أحمد بن تيميّة الذي كان من العلماء الفقراء!


ثمّ تفرّغ علماء- وأشباه علماء- للإمامة والتدريس في العصر العثمانيّ، فكفتهم الدولة ذلّ السؤال، أو السعي في سبيل المعاش، فخصّصت لهم ما يحفظ كرامتهم، ثمّ جاء زمن شحّ فيه المعاش، فمدّ المشائخ أو الدعاة أو كتّاب الحُجُب- لست أدري- أيديَهم للناس، فكان منهم المقتصد، ومنهم الجامع للثروة والجاه، فكان من كان ممّن جمع بعض الدريهمات، و لكن نستبق الزمان، ونقول كانوا- شحّاذين- إن نظرنا إلى أشباههم في هذا الزمان!!إلا قلّة استغلّوا مكانتهم بأعمال ظاهرها التجارة و باطنها التسلّط على الناس بالباطل. 
وتميّز المشائخ ( أرباب الشعائر الدينيّة الأئمّة وغيرهم ) بألبسة خاصّة بعد عصور النور الأولى( يدلّ حجم العمامة على رتبة الشيخ، كان أكبرها عمامة السلطان لأنّه كان يعتمرها لتكون كفنه إن استشهد في الجهاد )، فبدؤوا يفرضون هيبة خاصّة لهم– سواء كاتوا من العلماء أم لا– أوما نسمّيه قداسة لأشخاصهم ذكّرتنا بشيء من نظام رجال الدين عند أديان أخرى (أقول: بشيء)!
( لست هنا في معرض حديث حلّ هذه الألبسة أو حرمتها، فالرأي مختلف، وكان علمــــــاء يرفضون التميّز بلباس لهم ،أمّا حين فرضت فكان ليتميّزوا بها عن غيرهم، كما يتميّز بها أصحاب المناصب كالقضاة والمحامين والشرطة والجيش.. بألبسة خاصّة)

د- تغييب العقول بين المشرق و الغرب:

- في المشرق:
إنما همّي في هذا أن ينأى من يتصدر هذه المجالس بأنفسهم عن استغفال عقول السامعين والمريدين، وعن إيقاف عملها، وأن يعتمدوا أسلوب التفكير المنطقي معهم في فرض شخصياتهم على الأتباع، ( كل يُردّ عليه إلا صاحب هذا القبر- أي محمد – صلّى الله عليه وسلّم - ) ، و لا مانع من غرس الحبّ في القلوب، وافتداء العلماء الربانيين بالأرواح، بل هذا واجب شرعيّ . ولكن من الخطر أن يسوقوا الناس سوق النعاج. ولا يظنّوا أن الاحترام لا يكون إلا بإلغاء تفكير المريدين، وتعطيل عقولهم، وقدراتهم على الحوار، وليحذروا – إذا انقلب عليهم هؤلاء المخدَّرون– من التسفيه والتجريح .. وما أثبت الاحترام القائم على محبّة في القلوب، واقتناع بالعقول!

- في الغرب : تعطيل للعقل وتشويه للدين
عندما يتحول الدين بيد الجهلة مطية لتوطيد الشهرة وجني المال، يترك القول لأصحاب العقول المريضة وليفتيَ السفهاء بما لايقبله عقل ودين، وينهَوْاالناس عن الحق، ويصوروه بصورة الباطل، ولِمَن سمَّوْهم مشائخ في الغرب باع طويل في الإساءة للدين عبرالتحدث يه عن جهل.
ومازال مشائخ الغرب يتطاولون على الدين دون رقيب أو حسيب يردعهم ويرد عن الناس سخافاتهم.
شيخ مغمور أو باحث عن الشهرة لا فرق، معظهم( لا كلّهم )يستخف بعقول الناس ويستغل الجهل في تلك المجتمعات وكل لمآربه ومآرب من يسيره .

ه - الزواج بين الإسلام والمسلمين:
سببان كانا شبه عذر لمن وقف ضد قانون الأحوال الشخصيّة رغم أنّه قانون راق جدّا، وضعه نوابغ في الفقه وطوّروه ( بل التزموا بأن يأخذوا بآراء الفقهاء في المذاهب الإسلاميّة كلّها محاولة منهم لتقريبه من القوانين الغربيّة، رغم أنّ هذا لا يوافق المنهج العلميّ وما سار عليه الفقه – المقارن - فالعبرة للدليل الأقوى لا الأمزجة ! ).
نعم! هذا القانون يحتاج إلى تعديلات لتغيّر الأزمان، لكن لم يتمكّن أولو العزم من مواكبة هذا التغيير وفق أصوله الشرعيّة فكان هذا سببا لمن يريد أن يتخلّص من هذا القانون.
وسبب آخر سوء تطبيق القانون متأثّراً بالانحرافات التي سار عليها المجتمع، فعقد الزواج بركة، ونحن لا نعترض على تعبير بركة فهو لفظ إسلاميّ راق نعني به توفيق الله وحراسته لحياة زوجين وحسن صلتهما بالمجتمع، ولكن المشكلة في تحوّل معنى البركة إلى غموض وترداد لها دون فهم معناها.
عقد الزواج يعرفه العلماء بأركانه وشروطه وصيغة إيجابه وقبوله تتضمن قصد كل من طرفيه ( تنجيز ) العقد ، فإذا جرى العقد بوجود شاهدين( أو أُشهر كما يشترط الإمام مالك ) وراعى هذه الشروط فقد حلّ كلٌّ من الزوجين للآخر على الفور، ولا حاجة لوجود عالم إلا احتياطاً خوف الوقوع في الغلط.
ولكن صار الشيخ في المشرق والمغرب مصدر البركة بمعناها المنحرف، والأنكى من هذا أن يُجريَ العقد إنسان اكتسب لقب الشيخ بسبب لحية ( قد يرسمها رسما ) وسبحة ( أو بدون سبحة إذا أراد أن يدّعيَ السلفيّة ) و رداء عربي ( وربما اتخذ الشيخ في الغرب بذلة - costume - سوداء وربطة عنق حمراء سراويلها ( محزلقة أكثر من المعتاد)، لأنّه اللباس الرسميّ عندهم!!)، أمّا العلم وسلامة تلاوة القرآن الكريم فيأتيان في مرتبة تاليةّ.
الزواج عبادة بالمعنى العامّ، وهو تنظيم للحياة الاجتماعيّة بكل جوانبها الروحيّة والمادّيّة وعلاقات الزوجين فيما بينهما وعلاقاتهما بالأقارب والأباعد. إنّه تنظيم مدنيّ بمعنى أنّه ينظّم الحياة المدنيّة، ولسنا بحاجة لأن يُفرض علينا نظام مستورد، ولا عقيدة ( فلسفة ) يُبنى عليها هذا النظام.
الله – تعالى - مصدر حلّ العلاقة بين الرجل والمرأة، وليس تخصيصاً لها من الرجل لهذه المرأة ، ولا من المرأة للرجل، لذلك هناك تعبير الخيانة الزوجيّة وللزوج الذي تضرر بهذه الخيانة أن يرفع الأمر للقضاء ليقتصّ من الخائن،وهذا عندهم ما يسمّى الزنى، إنّه مخصّص للمتزوّجين الذين يخونون أزواجهم. أمّا في الإسلام فالزنى كلّ علاقة فاحشة في غير نطاق الزوجيّة، وهي أولا وأخيرا خيانة لله- عزّ وجلّ - ، ولامانع أن تدخل فيها أشياء أخرى، ولكنّها تبقى أقل مرتبة بكثير من فكرة خيانة الله. قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم - : اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله – من خطبة الوداع أخرجها البخاريّ ومسلم وغيرهما. حسن عشرة النساء أمر إلهيّ في المقام الأول، ثمّ تأتي الأمور الأخرى، وهذه العلاقة هي إباحة من الله – تعالى - لعباده.
انظر إلى حكم الإسلام كذلك على هذه العلاقة: قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرً أخرجه مسلم .
بل إنّ الله كلّف بالنفقة على أسرته تكريماً منه – تعالى – لها، ولا تُجبر المرأة على دفع درهم واحد إلا إذا تبرّعت، هذا حكم إلهيّ، وليس كما يفهم الغرب شركة ماليّة، وعند الطلاق يقسم المال قسمين متساويين لكلٍّ منهما، ستقولون: يحقّ للزوجين أن يشترطا أن يكون المال منفصلاً بينهما، أي أن الأصل هو اختلاط المالين، وهذا الشرط استثناء من القاعدة، لا يعفي المرأة من الإنفاق!
في المشرق: الناس ملتزمون بأحكام الزواج نظريّا، ولكن الخروج عنها عاديّ، ويبقى الزواج أي علاقة الزوجين محصوراً – في كثير من الأحيان – أي بحلّ هذه العلاقة، هذا الحصر يدخل الزواج في البركة الغامضة أي الكهنوت – قداسة الزواج بالمفهوم غير الإسلاميّ. إذا كان لا يحق للرجل والمرأة أن يلتقيا بعد عقد الزواج، بل بعد عرس قد يحدّد بعد أشهر، فما الذي قُدّم الشرع أم العادة؟
المادة۱٤.من قانون الأحوال الشخصية
۱- إذا قُيد عقد الزواج بشرط ينافي نظامه الشرعي أو ينافي مقاصده ويُلتزم فيه ما هو محظور شرعا كان الشرط باطلا والعقد صحيحا
في الغرب: يلتزم المسلمون – المتديّنون – بإجراء عقد زواج بالطريقة التي ذكرتها قبل سطور، ولكنْ لا ليلتزموا به – غالباً - ، بل المحكّم عندهم عقد الزواج الذي أجرَوْه في البلديّة، وهو عقد قد نضطرّ إليه – أو نجريه فيما دون الضرورة الشرعيّة فعلا-، إنّه إقرار بفلسفة العقد وبالنظم المخالفة، رغم أن المسلم غير مضطر لهذا العقد - إلا في حالات محدّدة كما قلت – فالعقد الشرعيّ غير معترف به في الغرب، وهم يسمحون بالتعايش بين رجل وامرأة – بل بين متماثلين – والحقوق الماليّة واحدة سواء كان التعايش بعقد أوغيرعقد للخدينين ولأولاد يعيشون معهما سواء أكانوا منهما أو متبنّين. بل إنّي لأعرف مسلمين – لا أدري صدق إسلامهم!! – ينفصلان- أو يتطلّقان – لأنّ المرأة بدون رجل لها حقوق تزيد على المرأة تعيش مع رجل – طبعا هذا الانفصال أو الطلاق لا ينتج عنه عدم المعاشرة، فالقانون لا يمنع لقاء غير المتزوّجين!! بل يحدث أنّ امرأة تأتي مع زوجها الذي عقد عليها في بلده ولكن لا يقدّمان عقد الزواج، عند ذلك يُسجّل الأولاد أولاد الطبيعة. بل سئلت: عندما نريد أن نُجريَ العقد الشرعيّ قد لا يُوافق وليّ أمر المرأة، فما رأيك أن نأخذ برأي أبي حنيفة فهو لا يشترط موافقته على زواج البنت البالغة، قلت هذا صحيح، ولكن أبا حنيفة أعطاه حق الاعتراض أمام القاضي!! فمن يجرؤ منّا على هذا العمل أمام القاضي الغربيّ، ماذا سيقول: أنت تتدخّل في الحرّيّة الشخصيّة، وقد يتسامح معنا لأنّنا نفكّر تفكيراً متخلّفا!! 

ألا يُجرى عقد الزواج كثيراً للبركة الغامضة
أي يدخل في باب الكهنوت؟!

و قراءة القرآن الكريم:
قراءة القرآن واجبة بالإجماع: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ، فَتَابَ عَلَيْكُمْ، فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى، وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَاقْرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا، وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ۞ المزّمّل ٢۰، ولا مانع من تخصيص سور أو آيات بكثرة القراءة مع الحذر من إهمال غيرها في القرآن الكريم.

وهناك أحاديث في فضائل سور من القرآن الكريم، ولا مانع من الأخذ بها دون الجزم القاطع بصحة كثير منها، هذا مثال عن فضل سورة الملك:
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سورة من القرآن ثلاثون آية تشفع لصاحبها حتى غفر له تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ." أخرجه النسائي وابن ماجه ، وقال الترمذي : "حديث حسن ، لكن في سنده ضعفا." 


ز- قراءة القرآن الكريم بالألحان دون تدبّر معناه

لن أدخل في تفصيلات أحكام تلحين القرآن الكريم فمنها الجائز ومنها المكروه وأخرى محرّمة.
نزل القرآن الكريم ليحييَ الإنسان ولا يقتصر على تلاوة تصاحبها نغمات نضيع في تفسير أثرها في نفس القارئ أو السامع: أنحن أمام طرب أم أمام خشوع؟ هل الاهتزازات الجسدية لذّة أم اتصال بالذات الإلهيّة؟ كثيرون يُقرؤون القرآن للبركة – بمعناها المنحرف - فقط  ويُنسَوْن تدبّر معانيه. والأولى أن تُعطى قراءة القرآن الكريم حقّها من تغيير الصوت بما يلائم المعنى من استفهام وإنكار و تعجّب.. ولا شكّ أنّ هذا مهمل تماماً إلا عند من رحم ربّك.
القرآن الكريم نصٌّ أدبيّ معجز، ولذلك كانت قراءته تتطلب فهماً عميقاً لمعانيه. بعد هذا الفهم، تستطيع أن تتأثّر بهذه المعاني والقدرة على القراءة المعبّرة عنها بالشدة والرخاوة وإظهار التعجّب.


ح - امتزاج الدين بالخرافة
كلام على الهامش: ومن مصائب المسلمين أن يعتمدوا مبدأ لتصحيح النصوص وما جاء فيها من أفكار وينسَوْا مبدأ آخر.
نقرأ كلاماً صُدّر ب( قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ) ولم يُعز إلى مصدر، والعامّة ليسوا من أهل العلم في الحديث، ثمّ ننسى المبدأ الأول: التوثّق من صحّة سند الحديث. وننتقل إلى المبدإ الثاني الذي يرتبط بمتن الحديث وهو انسجام المعنى مع القواعد العامّة ومع معاني نصوص أقوى سندا.
ننتقل إلى المبدإ الثاني، مع تشويهه، وننظر في معنى الحديث فإن وافق رأينا صدّقنا الحديث ودافعنا عنه وإن خالف كذّبناه وحاربنا كلّ من يأخذ به.
وننسى أن البحث في سند الحديث ومتنه علم لا يخوضه كلّ إنسان. قد يكون الإنسان تقيّاً ورعا ولكنّه ليس من أهل العلم فكيف يجوز أن نأخذ عنه العلم؟! (واعلم أن من يتصدّى لما لا يعرف مطعون في تقواه إنْ كان يعلم بجهله).

ط - التديّن ومظاهره الخارجيّة:
اللحية جيّدة (لا حاجة لذكر الحكم الشرعيّ المختلف فيه) وستر العورة ( شكلاً ولوناً ) ضروري،(وغطاء رأس الرجل فيه بحث لا مجال لذكره الآن)، ولكن هذه المظاهر وحدها (أقول : وحدها ) لا تكفي للدلالة على التقوى.
والإكثار من ذكر الله محمود، وثوابه كبير، ولكنه وحده لا يكفي للدلالة على العلم والتقوى وبخاصّة إن لم يرافقه الفكر والقلب.
لن يخالفني أحد في هذا، ولكننا في التطبيق العمليّ نخالفه، وما أكثر ما تخدعنا هذه المظاهر ( أعيد القول مع تفصيل صغير): منها ماهو ضروريّ، ومنها ما هو مستحبّ، وأخرى لا لزوم لها، وقد تكون بدعة.
ك - يتكاثر الفقهاء الأدعياء في عصر الفضائيات والشبكة الدولية كما يعلم الجميع فتضطرب عقول المسلمين وتتشتّت. مثلاً فتوى الشويخ الأزهري برضاع الكبير!!
ولا ذنب للفقهاء الأصوليين في ترهّل العقول الإسلامية المعاصرة، إنّما المشكلة في اهتبال أيّ نصّ دون مراعاة الأصول العلميّة في صحّة سنده وملاءمة متنه للنصوص العامّة وعدم مخالفته للنصوص الخاصّة.

ل - علامات الساعة:

لا شكّ عندي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكر أحداثاً تقع بين يدي يوم القيامة.
هذا أمر مفروغ منه. لكنّ المشكلة عند بعض الذين يتصّدرون المجالس أنّهم يسيرون – واعين أو غير واعين – مع موجة عالميّة تختلط فيها الأديان من كتابيّة ووثنيّة بل منها علمانيّة! تحذر الناس من ويل مستطير سيقع في المستقبل، سيسقط رؤساء دول، وينتشر وباء.. و( يوظّف) كلّ هذا لغايات تُديرها المخابرات الدوليّة مستعينة بالعلوم الاجتماعيّة والنفسيّة.
الإسلام دين التوازن، كلّ أمرعنده محسوب، والتحذير من هذه الأحداث بقدر محدود، ولا يأخذ هذا الاتساع، ولا يسيطر على حياة الناس فتوهنهم. من يدري وقت قيام الساعة؟ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يُعط هذا العلم. علامات الساعة بدأت قبل أكثر من ألف عام، فهل يقدّمني الله تعالى على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأتمكن من معرفة وقت قيامها؟ هل أستطيع أن أجزم بمعرفة غيب المستقبل بربط أحاديث شريفة بأحداث أفسّرها دون سند علميّ وأجزم بوقوع نتائج بعد زمن أُحدّده؟! سنرى فيما يلي حديثاً عن التوازن الإسلاميّ في الترغيب والترهيب، ورفض الاتكاء على واحد فقط لأنّه أعرج، ويدخل في باب الترهيب تضخيم الأحداث المستنتجة من أحاديث علامات الساعة!
مشكلة أخرى نقع فيها: اعتماد الحديث الشريف. فنحن ننسى القواعد العلميّة التي اتّبعها رجال الحديث في تصنيف الأحاديث. وضعوا لها مراتب من متواتر ومشهور وآحاد وصحيح وحسن وضعيف وموضوع. ثمّ يأتي عمل الفقهاء في درس المتن فيرتّبون أحكامهم الفقهيّة من فرض وواجب ومندوب ومكروه وحرام... فيقبلون أحاديث ويرفضون أخرى وفق القواعد العلميّة. صحيح البخاريّ أصحّ كتاب بعد كتاب الله سندا ولكن الفقهاء لم يأخذوا بأحاديث منه لمخالفتها نصوصاً أقوى منها. أمّا هؤلاء الذين يعتمدون أحاديث قيام الساعة فلا يفرقون بين مراتبها ويقبلون أحاديث ويرفضون أخرى دون سند علميّ ليصلوا إلى نتائج يفرضونها على الناس كأنّها علم. 
يفرّق الفقهاء بين الأحاديث، فمنها ما يوجب الاعتقاد إذا وصلت عن طريق التواتر والشهرة (على رأي الأحناف)، ومنها ما يوجب العمل (أو يندب إليه) إذا كانت أحاديث آحاد صحيحة أو حسنة أو ضعيفة تتعاضد مع أحاديث أخرى لتصل عمليّا إلى مرتبة الصحّة أو قريب منها. 
أمّا أحاديث قيام الساعة فمنها صحيح، ومنها ضعيف، بل فيها موضوع، ولا يجوز اعتمادها بدون بحث علميّ دقيق، والأخطر من هذا أن بعضا منها يرتبط بالعقيدة، والحذر الحذر في هذه المسألة، فلا يجوز أن نؤمن بأمر إلا عن يقين، أو ما كان سنده وصل إلى حدّ اليقين.


ن - الترهيب والترغيب

سلسلة من الترهيب فقط وخير ما نستأنس به قوله تعالى (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ، إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ، وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا، وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) ۞الأنبياء ٩۰ . ورأينا دعاة جهلوا فطرة الإنسان فآذَوْه حين أرادوا أن ينفعوه ولا تسوّغُ النيةُ الحسنةُ التساهلَ بارتكاب الأخطاء.

س - الطبّ الإسلاميّ:
وردت في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة مسائل طبيّة وإرشادات صحيّة ومنافع إشفائيّة للجسم والروح من بعض مخلوقات الله على التفصيل التالي:
١ - في القرآن الكريم
٢ – في حديث قدسيّ وحديث شريف يفهم أن معناه وحي من عند الله تعالى.
والنصّان واجبا الاعتقاد والعمل بما فيهما من أوامر وأحكام وإرشادات.
٣- في أحاديث قدسيّة وأحاديث شريفة يفهم أن معانيَها منقولة عن الله تعالى وردت بطريق الآحاد فليست بواجبة الاعتقاد ولكن نعمل بها.
٤ – الأحاديث الشريفة التي تنصّ على جوانب علميّة عامّة وطبيّة أخذها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ممّا ساد في عصره ليست بواجبة الاتباع، بل علينا الأخذ بما توصّل إليه العلم والطبّ يقينا.
قد يختلف العلماء في أمر بالغ الشأن: هل ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذه ممّا ساد في عصره أو وحي من عند الله تعالى ؟!، وأرى إن لم يكن هناك إشارة واضحة إلى الأمر أن نقبل بالحقائق العلميّة ( أقول الحقائق لا النظريّات والفرضيّات ).

مشكلة المسلمين التي توقعهم في الكهنوت أنّ بعضهم يدافع عمّا في بعض الأحاديث من أمور سادت في عصره صلّى الله عليه وسلّم وليست وحياً فيحاولون مقارعة حقائق العلم أو نظريّاته. ونحن نقطع حتما أن حقائق العلم لا تخالف أبدا وحي الله تعالى ولا يعنينا إن اختلفت مع نظريّات على يقين أنّها ستتغيّر في المستقبل، وما ساد في عصره صلّى الله عليه وسلّم سيتغيّر غالبا، فلماذا نوقع نفوسنا في مشكلات نحن أغنى عنها؟!
بل الأخطر أن يبحثوا عن أقوال ليست من حقائق العلم. ويشهد الله أنّ بعضهم يأتي بما لاسند لهم به ليثبت أن العلم توصّل حديثاً إلى ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أمور سادت في عصره أي أن ما قاله وحي من عند الله تعالى.
ويقولون كما قال القصّاص الذين وقف منهم الحسن البصريّ موقفاً حازما: "نحن نكذب له لا عليه" عندما يجابهون بحديثه صلّى الله عليه وسلّم: "مَنْ كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعَدَه مِنَ النَّارِ." (۵) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز ومسلم في المقدمة (٤) 

ع - الجن و تلبّسهم بالإنسان:
واجب المسلم الالتزام بالمعاني الواردة في الأحاديث الشريفة رغم أن كثيراً منها يتداولها العامّة لم تبلغ مبلغ اليقين في ثبوتها.
أمر الجنّ والشياطين من الغيب الذي لا نستطيع أن نتخيّل حقيقته. كل ما علينا الإيمان القاطع بما جاء في النصوص الشرعية والالتزام بتوجيهاتها من أذكار وأدعية.
ولا يصح لنا أن يشطّ بنا الخيال لما لا نعرفه، فنفتريَ على الشرع، ونوقع المسلمين في مشكلات أمام العالمين.
نحن نؤمن أن ما جاء في النصوص الشرعيّة يصدّقه العلم، أما تخيّلاتنا فقد تخالف العلم (اليقيني طبعا - هذا مايعنينا) كصياح الطفل لولوج جني في حفاظاته!!
فالله الله في احترام النصوص وعقول الناس.
                                                     ملحقات
الخلط بين الخرافة وإعجاز القرآن الكريم
ثبت للناس أن فريقاً من المدّعين يبثّون خرافات يلصقونها بإعجاز القرآن الكريم والعلم وتكسبهم بالدعاية لها أموالاً طائلة ( والحبل على الجرّار! ). ألم ترَوْا في الرائي (التلفزيون) ذلك الطبيب المثقف دينياً الذي توسّع فيما ذكره القرآن الكريم من خضار وفواكه، وجعل لها بركات خاصّة، وقد أثبت العلم - و لا دخل لي فيما يقول عن الطبّ لأنه المختص وما لي إلا أن أثق بقدرته الطبيّة - أما في فهم النص الشرعي فليس له سلطان على أحد في فرض فهمه. 
أراد القرآن الكريم أن يورد من الأمثلة التي تدفع إلى الإيمان بالله الواحد، أو إلى تعميق هذا الإيمان في العقل والنفس، فكان هذا التعداد للخضار و الفواكه التي هي من نعم الله  تعالى على الإنسان، وليس في النص دليل على أن لها مزايا خاصة على غيرها مما لم يذكر اللهم إلا ما أورده فضيلة الطبيب! إنها أمثلة وردت على سبيل التمثيل لا الحصر.
بهذه الخرافة التي نسبها الرجل إلى القرآن الكريم و العلم معاً تروج كتبه و يقبل الناس على شرائها لينتفعوا ببركاتها!! وهي نتيجة لازبة دون تشكيك في سلامة نيته. 

تغييب العقول بين المشائخ وأحرار العقول !!
أولا : المشائخ
 وضجّ المسجد بأصوات المريدين من أرباع المتعلمين – وربما أدنى من الأرباع – وتعالت تكبيراتهم وتهليلاتهم إظهاراً لما توصل إليه الشيخ المعمّم من حكم شرعي بديع ، يعينه ما آتاه الله من علم غزير، ونبوغ لم يسبقه إليه عالم نحرير ، أو مفكّر خطير ، ونظرات ثاقبة، وحكمة في الوصول إلى اجتهادٍ ما سبقه إليه أحد من العالمين . أتدرون الحكم المقرر؟ لقد أخبرته الآيات الكريمة أن ليلة القدر في السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك ، فليلة القدر تتكوّن من تسعة أحرف – كتابة - و تكررت ثلاث مرات ، و لأن شيخنا رياضي مصقع فقد قام بعمليّة حسابية مفحمة
( 3×9 =27 ) ، وكانت النتيجة الملهَمة ما نراه مما هو آت آت : أحيِ ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك وحدها تتفتّحْ لك أبواب السماء وتغرفْ من نعيم الله ما شاء . 
وما كان في علم الطلبة المؤدّبين أن فتوى الشيخ ليست من بنات أفكاره البرّاقة ، ولا من إبداعات العصر الحديث بسبقه العلمي المفلق ، وإنما قالها بعض الأقدمين معتمدين منهجاً في التفسير الشاذّ ، سُمِّي "التفسير الإشاريّ" ثم امّحى من عقول كبار العلماء وحافظ عليه مَن دونهم أو من كان في قلبه مرض .
حاش لله فنحن لا نتّهم شيخنا بالغفلة عن هذا ! {وإنما نشبّه سلوكه بما كان الأديب العربي طه حسين يفعله ، فقد ألِف – غفر الله له - أن يضع المراجع أو المصادر- سمّها ما تشاء - خلفه ولا يقدّمها أمامه إلا إذا رأى الفكرة التي يسوقها تفتقر إلى التأييد} . فلو جاء شيخ آخر بفكرة لم تهضمها معدة شيخنا وكانت تعتمد "التفسير الإشاريّ" لردّها لأن العلماء لم يقبلوا بهذا النهج . ولو كان الحديث الشريف يوافق رأيه لساقه ، ويكفي أن يختاره لتأييد رأيه في قبول الحديث الشريف ، ولا حاجة إلى مصطلح الحديث وعلومه. أما إذا دعّم الخصم رأيه بحديث شريف، كانت الحاجة ماسّة إلى اعتماد مصطلح الحديث وعلومه لإبطال الأخذ بمدلول الحديث.
لا تظنّوا بي الظنون فما في قولي سخرية أو سعادة - حاش لله ! – وإنما تذكروا معي قول الشاعر الذي يردّده الخاصّة والعامّة : "والطير يرقص مذبوحاً من الألمِ" ، وإنما لأقول نصيحة لله ربما يسمعها من يتصّدر المجالس ويعملون بها خوفاً من الله عزّ وجلّ: لا تستغفلوا عقول العامّة أو الخاصّة ولا تشلّوا عملها فما جاء الإسلام بذلك إنما جاء الإسلام بطاعة ولي الأمر في غير معصية وإجلال العلماء الربانيين، ولكنه لم يأت بتغييب العقول بل حثّ على التفكير السليم فكلنا يعرف مواقف الصحابة من الخلفاء فما منعتهم الطاعة من الجهر بما يعتقدون بدون فتنة. وهذا مثال وقف فيه العلماء موقفاً لا يسكتون فيه على باطل ويحرصون في الوقت نفسه على وحدة الأمة من الانهيار، فقد بينوا رأيهم في بطلان المنهج الجديد الذي اتبعه الأمويون - ومن تولّى الحكم بعدهم - في تنصيب الخليفة ولكنهم لم يُألّبوا العامّة عليهم إن حكموا بشريعة الله .
إنما همّي في هذا أن ينأى من يتصدر هذه المجالس بأنفسهم عن استغفال عقول السامعين والمريدين ، وعن إيقاف عملها ، وأن يعتمدوا أسلوب التفكير المنطقي معهم في فرض شخصياتهم على الأتباع ، " كل يُردّ عليه إلا صاحب هذا القبر- أي محمد – صلّى الله عليه وسلّم" . و لا مانع من غرس الحبّ في القلوب وافتداء العلماء الربانيين بالأرواح بل هذا واجب شرعيّ ولكن من أشدّ الخطر أن يسوقوا الناس سوق النعاج. ولا يظنّ هؤلاء أن الاحترام لا يكون إلا بإلغاء تفكير المريدين وتعطيل عقولهم وقدراتهم على الحوار وليحذروا – إذا انقلب عليهم هؤلاء المخدَّرون – من التسفيه والتجريح وما أثبت الاحترام القائم على محبّة في القلوب واقتناع بالعقول ! ولتحذر الأمّة من أمثال هذا الشيخ فما أكثر ما قالوا وما فعلوا في تاريخنا القريب فأدّت أقوالهم و أفعالهم إلى تحكّم غيرنا بحياتنا وقدراتنا  ولن يخلّصنا الله من هذه المحنة ولن نخرج من هذا المستنقع حتى نغيّر ما في نفوسنا . قال الله تعالى في سورة الرعد، الآية 11:

“Il (l’homme) a par devant lui et derrière lui des Anges qui se relaient et
 qui veillent sur lui par ordre d’Allah. En vérité, Allah ne modifie point l’état d’un peuple, tant que les (individus qui le composent) ne modifient pas ce qui est en eux-mêmes. Et lorsqu' Allah veut (infliger) un mal à un peuple, nul ne peut le repousser: ils n' ont en dehors de Lui aucun  protecteur.   
 
ومن وسائل هذا أن ندرّب الناس على التفكير السليم والابتعاد عن ( الغوغائية ) والتعالي بالباطل وتحكيم الهوى وأن يحترم كلٌّ منهم رأي الآخر وأن يُجلّوا العلماء الربانيين، دون أن يُلغوا عقولهم، وأن يلتزموا بطاعة أولياء الأمور دون أن يكون في ذلك ترغيب بمكافأة أو ترهيب بعقوبة ، دافعهم إلى هذا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول و أولي الأمر منكم) سورة النساء۵۹. 
 « Les croyants ! Obéissez à Allah, et obéissez au Messager et à ceux d'entre vous qui détiennent le commandement.”

بيد أن الوصول إلى مثل هذا المجتمع يحتاج إلى دربة ومران طويلين حتى يظنّ بعضهم أن هذا محال. ولكن تاريخنا، رغم الأخطاء الشنيعة التي ارتكبها أعداء أو مارقون أو جاهلون - وهي ليست غريبة على الإنسان ولكن أهل الضغينة والحقد يغضّون الطرف عن أحداث أفحش في عالم الغرب وأطغى ويعملون بالمجاهر المكبّرة في عرضهم لأحداث أدنى وأقل طغياناً في عالمنا، بل ربما يختلقونها ويبتدعونها-، أبرز مثال على واقعية هذا المجتمع.


ثانياً : أحرار الفكر !!
نحن في زمن لا ندري أَ َنِصفُه بعصر التقدّم – ونحن صادقون – أم نصفه بعصر عبودية الفكر لغير خالقها والوقائع لا تنفي هذه الصفة ؟!
يقولون- أم يدّعون- ، فلم نعد ندري شيئاً بعد هذه الإبداعات الغربيّة، ولست أدري أمنْ حرية الرأي أن تغيّب العقول و يُساق أصحابها إلى المسلخ سوق النعاج؟ هل يريدون من الجماهير أن تسير وراءهم وقائد المسيرة في مقدمتهم يردّد شعار الفكر الحر وهم لا يدرون عنه شيئا؟ ماذا فعل هؤلاء(الأحرار)؟ هل كانوا خيراً من شيوخ في المساجد ( جاهلين أو علماء يجهّلون الناس على علم منهم ) حين يوهمون الناس بأفكار سخيفة و آراء بعيدة عن الدين يأباها العقل والمنطق؟ أ هؤلاء خير من أولئك ؟! أَ و كلّما فتح أحدهم فاهُ ليتكلم وأحسّوا أن فكرهم لم يؤثّر في فكره أخرسوه فورا ًلأنّه عدوّ الحرية والتفكير السائب الذي لا يتقيّد إلا- وأرجوهم العفو عن زلّتي – بقيد عقولهم المنغلقة على ذاتها. هل تريدون أن أسرد كلّ التهم التي يلصقونها بمن لا يتبنّى فكرهم لأثبت أنهم أوّل المتّهمين بالعبودية الفكرية؟ ليست الحريّة شعارات-و أنا لا أحبّ الدخول في الشؤون السياسيّة لأنها لا تخضع أبداً لمبادئ العلم التي تحكم تفكيري ومنهجي، بيد أني أردت أن أشير إلى شعارات كثيرة قُدّست ألفاظها ثم ديست عملياً بالأقدام وارتكبت أفدح الجرائم تحت لافتات أسمائها  

ترقيع الثوب وترقيع الأحكام الشرعية
من سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يرفوَ ثوبه ويرقع نعله. وتُتَّخذ هذه السنّة – مع غيرها من الأحكام الشرعية- تحبيباً بالإسلام، وتقريباً له من الاتجاهات الحديثة، ونحن في عصر الرياح الغربية التي تأتينا بدعاية إنصاف المرأة بعد عصور من استعبادها، وقرون من التخلّف الذي مازال ينخر في أجسادنا، ويتعمّق، وتنسينا هذه الحماسة أن الإسلام دين لا إفراط فيه ولا تفريط، فنتناسى نصوصاً أخرى تتكامل بها لوحته المتناسقة الألوان، ننسى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يشرّع بهذا العمل إلزام الرجل بخدمة البيت، ولا يحوّله إلى قاعدة وأصل، و إنما ندرك بها عظمته في تواضعه، فتشيع روح الألفة في الأسرة المسلمة، وتشعر بأن الرجل المسلم لا يترفّع عن مساعدة المرأة التي تربطه بها رابطة الزواج أو صلة الرحم في خدمة البيت، ولا نتذكّر المشقات التي كانت تتكبّدها الصحابيات الجليلات، ولا نذكر نعمة الآلات الحديثة التي تتمتع بها نساء اليوم، وما يزلن يشكون من التعب، فيتهربن من كلّ شيء - ولا أبرّئ الرجل العال لدى الدولة الذي يشكو التعب، فيهمل واجباته - ، ننسى كلمات الصحابيات الجليلات وهن يودّعن الرجل وهو خارج إلى عمله: "لا تطعمنا من حرام، فنحن نصبر على الجوع، و لا نصبر على نار جهنم !"، ونتجاهل كلمات المرأة اليوم وهي تقف له أمام باب البيت تمنعه من الخروج إلى عمله إلا إذا وعدها– وغلّظ الأيمان- وعداً جازماً بأن يبحث عن وسيلة - لا فرق في هذا بين حرام و حلال - تكتنز بها الأموال وتخصص بعضها للبهرجة والتزين، للنساء فقط إن كانت صالحة وللرجال أيضاً إن كانت دون ذلك، ولا يتمتع الزوج بهذا إلا عرضاً حين خروجها للقاء، أو حين استعدادها في البيت لاستقبال، فيتطلّع إلى جمال آخر غير مشروع فيتعذّب ويصبر أو يتمتّع فيأثم. ننسى أن الصحابيات الجليلات التزمن بقوله  تعالى: (وقرن في بيوتكن و لا تبرجن تبرّج الجاهلية الأولى)، وأن المرأة اليوم همّها الخروج والبحث عن وسائل التسلية المشروعة إن كانت صالحة وغير المشروعة إن كانت دون ذلك. حاش لله فما كل نساء اليوم يتصفن بهذا المروق فكم من امرأة صالحة صادقة في صلاحها تحاول أن تكون كالصحابيات الجليلات. 
ليتهم يدعون المرأة العربية إلى النشاط والجدّ كالمرأة الغربية – وكذلك الرجل – وقد نتقبّل الأمر إن طلبوا من العربية أن تماثل الغربية في لباسها ففي العمل لباس بسيط لا يُكلّف غاليا وللسهرات بهرجتها وأما التي تُعنى بمظهرها دائما، فلها حرفة أخرى !!
فإلى بعض الشباب الذين آتاهم الله ما يسّر من العلم، واتجهوا بنواياهم إلى التحبيب بالإسلام ، وإلى بعض الشيوخ الذين آتاهم الله نصيباً وفيراً من العلم، ولكنهم تميزوا على الشباب، فأرادوا من الإسلام نسخة تُذاب في الاتجاهات الحديثة– كما يُذاب المسلمون اليوم في عالم الغرب –أتوجّه بندائي أن ينهجوا في دعوتهم و ترغيبهم بالإسلام نهجاً مطابقاً لما أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مع العلم أن التجديد في الحياة اليومية مما أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضمن نطاق أحكام الإسلام العامّة والخاصّة .
 
أنوار ربّانيّة في حياة المؤمن المخلص
وأن المساجد لله .ز فلا تدعوا فيها مع الله "لا أبيض ولا أحمر ولا أصفر."
وأنّ اللحى عند الله معناها فلا تدّعوا أنها ألهمت كلّ نفس علمها و تقواها.
وأنّ الدعوة لله فالإخلاص له مبداها ‘وشريعته مجراها ‘وإرضاؤه مرماها...
سلاحها العلم والحكمة والموعظة الحسنة واعتقادها أنّ النُّصح واجبها وأنّ هداية النَفس من الله باريها...
فلا تركنوا إلى دعوة ظاهرها الإيمان والفناء في الذات الإلهية وباطنها عبودية للّذات، أو للسّادة المقدّمين،
واستعباد للأنام، وحبٌٌّ للمال، وعصبيّة للأهل والعشيرة، سلاحها الجهل والتعالي بالباطل،أو"التذلّل لمن يظنّون" بأيديهم النفع والضّر والقتال باللسان، أو باليد الآثمة المؤذية بجُرح دام ،أو بكسر لا يُجبر، أو إزهاق للنفس البريئة.

نشر الموعظة عبر الشبكة ( الأنترنت )
جزى الله خيراً كل من فكّر في مثل هذه التوعية والتذكير بترقيق القلوب بشرط:
- أن يكون من العلماء
- أو ناقلاً عن العلماء،
- والتقوى ضروريّة لهذا العمل ولكنها مشكلة بدون علم،
 والنقل من الشبكة (الأنترنت) على عماها وقصّاص الحسن البصري،

والمشكلة تقديس المكتوب (وإن أخذت تخفّ تدريجيّا (.
ما نقلته من أحاديث منها ما هو صحيح المعنى، ومنها ما هو مشكوك في معناها "لا تعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فوق ما أعطاه ربّه". والحديث الأول مثلا صحيح المعنى، فمن كان فيه هذه البلايا فحري أن تنزل بهم الرزايا، لكن غير صحيح السند.
والأحاديث الأخرى فيها بحث.
إضافة إلى أخطاء اللغة!!
جزاكم الله خيراً عن الأمّة، ولكن لا تكونوا كالقصّاص الذين وقف منهم الحسن البصريّ موقفاً مصحّحا لئلا يزيدوا في الدين ما ليس منه. والله وليّ التوفيق

وإنما علينا أن تكون غايتنا إرضاء الله تعالى، أن نصل إلى الحق، أن نؤمن أن كل بني آدم خطاء، أن نتمثل قول علمائنا: "رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب.".
بأيدينا الكلمة وما تحمل من شرف وما فيها من عقل ودليل.
 
 
تعلق وتعقيب:
نحو فهم ضرورى للدين والتدين
سيد يوسف

إن منابع الدين ونصوصه لا تنضب (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). وما تزال السنة الصحيحة منبعا تفسيريّا للنبع الأول " أوتيت القرآن ومثله معه" وقد كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن الكريم أي تطبيق بشريّ لنصوص الوحي وفهمها وتفسيرها بل إن تفسير تلك النصوص واستكشاف أسرارها معين آخر لا ينضب..  لكن كثيرا من هذه التفاسير غير النبوية إن ناسبت زمنا فهي لا تناسب زمنا آخر لذا كان تقديسها والالتزام بها ،كأنّها هي الدين، لونا من ألوان التعصب والانحراف الشنيع عن الدين.

ويدرك الفاقهون أننا فى حاجة إلى أداة جيدة لتيسير التعاطي مع هذه التفاسير وغربلتها واصطفاء ما يناسبنا منها وليس فى هذا تنكر لماضينا وتراثنا بل هى الحكمة أن ننشد ضالتنا دون تقديس لتفسيرات بشريّة يعتريها الخطأ كأيّ جهد بشريّ. نحن بحاجة إلى تحبيب الناس بالدين بمعناه الشامل الواسع الذي يسع الحياة فهما وتعميرا والطاعات أداء وخشوعا بل الممات أيضا تقوى وتركا لصدقات جاريـــــة ينتفع بها المرء بعد مماته. ولا يمكن أن تنفك وسيلة لتحبيب الناس بالتدين الصافي ووحيه أي التلقي عن الوحي بهدايات فطرة نقية وعقل يقظ وقلب نقيّ..ولسائل أن يقول:  وأنى لنا بالفطرة النقية والعقل اليقظ والقلب النقيّ؟ ولآخر أن يقول: كيف يتحصل الناس تلك المعاني دون فهم النصــــــوص، بل كيف نفهمها إلا عبر شراحها الذين نرى فيهم الأمانة والحفظ؟!! ولآخر أن يقول: أإنك لتدعونا إلى أن يتخذ كل منا إلهه هواه؟! الحق أن هذا تساؤل مشروع، ونودّ أولا أن نحدد عددا من المعاني كيلا تضـــــــــــل بوصلتنا وذلك كما يلى :
١/  حب الدين فطرة، واحترام التدين أمر واقع، والرغبة فيه متزايدة.
٢/  أينما وجد الإنسان العاقل وجدت معه عوامل الفهم، وأينما استقرت عوامل الفهم فهي في حاجة إلى تهذيب وغذاء روحيّ يهتدي بهدايات الوحي.

٣/  أمتنا فى حاجة إلى تدين صحيح غير مغشوش يعتمد تحبيب الناس بربهم ووسائل ذلك فى اتباع هدايات الوحي وسنن النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول تعالى ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۞ قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ۞) آل عمران 31/32
٤/  قد يكون الخطأ فى فقه الدعوة (إن إرسالا أو استقبالا أو وسيلة وخطابا أو بيئة غير جيدة) فما أكثر الدعاة الذين أصابهم عطب عقليّ يهونون العظائم ويعظمون التوافه ويربطون الناس بريهم عبر سلسلة من الترهيب فقط، وخير ما نستأنس به ههنا قوله تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ۞) الأنبياء ٩۰ " ورأينا دعاة جهلوا خصائص الإنسان فأضرّوا حين أرادوا أن ينفعوا ولا تنفي النية الحسنة الوقوع فى الأخطاء.
٥/  لا ينكر منصف جهودا إسلامية ودعوية مخلصة، وهي غاية في الدقة والإتقان والأمانة والحفظ، غايتها فهم الدين الحقّ وتسهيل طرق التعبد، لكنّها تفتقر إلى طرق تحبيب الناس بالتدين والتعبد دون تقديم معنى شامل للتعبد اللهم إلا التصوف الصحيح بيد أن ما شابهه من بدع صرف عنه قلوب الحذرين.
٦/  ومع الزمن وقسوة الحياة وغلبة الماديّات انحسر مجال التصوّف الصحيح وعلم التذوق والسلوك السليم وربط الناس بحبّ بمفهوم التعبّد فيحلّ محلّه جفاف التفاسير وجدل الفقه وثرثرة أتباع المذاهب، فتجافت تلك العلوم عن وحيها الصافي، و شُغل الناس بشروحات، فنُسي النص، وكاد باب الاجتهاد يغلق ، وَوُصِدَ البابُ أمام تقديم حلول لقضايا الأمة تتبع مسارات الدين اللهم إلا أقوالاً عامّة مرسلة ونصائـح طيبة لكنها بعيدة عن جذور المشكلة وحلها حلا حقيقيا فصار القرآن للترتيل وللسماع و(الطرب)رغم أنه روح تسري لتحييَ الأمة، وصار الحديث للحفظ وللأذكار التى تُستدعى وقت النوازل رغم أن السنة الصحيحة جُعِلَت لفهم القرآن الكريم ولغرس الأخلاق الفاضلة. أرأيتم إلى  خلقه صلى الله عليه وسلم؟  أما كان قرآنا يمشي على الأرض؟

٧/  يرى د. عمر عبيد حسنة أن توقف العلوم العمرانيّة الإنسانيّة لدى علماء المسلمين خطر بالغ ذلك أنه حرم المفكر والمجتهد من التعرف إلى ساحة عمله وأضاع عليه خارطة الطريق التي يحاول أن يسلكها لتنزيل المراد الإلهي على واقع الناس وتحقيق تقويم سلوكهم بدين الله وامتلاك شروط التغيير السليمة. ويرى د. حسنة أن العقل المسلم توقف عن السير في الأرض، والتعرف على تاريخ الأمم في النهوض والسقوط، واكتشاف آيات الله في الأنفس والآفاق، وآليات التغيير العمرانيّ الإنسانيّ التي وردت في القرآن الكريم وروداً لافتا للنظر، وهي أشبه ما تكون بمعادلات رياضية بعد أن أصبح القرآن الكريم تراتيل يُتبرك بها ويُطرب لسماعها.. فظن كثير من المجتهدين أن تكفي للاجتهاد الرؤيةُ النصفية، وهي الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي، أما دراسة محلّ الحكم، والطريقة التي يُبسط بها على الواقع، وفهم هذا الواقع بتركيبه المعقد وأسبابه القريبة والبعيدة، فلم يُعن بها العناية المرجوّة، فانفصل الديـــن عن الحياة، ووصلوا بالفقه إلى تجريدات ذهنية وأراجيز حفظية لا نصيب لها من الواقع.. ثم يقول د. حسنة: التغيير لا بد له من إدراك المراد الإلهي أولاً ثم فهم آليات المجتمع بالمستوى نفسه، حتى كمال الإنجاز، وقد تكون مشكلة الحضارة اليوم أن الذين أدركوا آليات فهم الواقع لم يؤمنوا بالخطاب الإلهيّ، وكثير من الذين آمنوا بالخطاب الإلهيّ لم يدركوا آليات فهم الواقع.
۸/  وبناء على ما سبق فإننا فى حاجة إلى فهم النصوص فهما معاصرا لا يتمكّن منه إلا فاهم معاصر، فما قيمة الدواء إذا افتقد الطبيب؟ وما فائدة الوحي إذا لم  نجد فاقهين تربويين يحسنون تحبيب الناس بربهم بقلب نقي وعقل يقظ.. أمتنا في حاجة إلى فهم صحيح للنصوص ثم إلى طريقة مبتكـــــرة لتحبيب الناس بالدين والتدين وابتكار طرائق لحلول قضايا الأمة.. هكذا الدين، ما أنزل ليشقيَ الناس بل ليحيَوْا حياة كريمة، لا يبني أمة من يجعل نصوص الدين للتلاوة والتبرك دون حركة نحو البناء والتعمير بل يصرف الناس عن هذا الدين إذ يرون الحل لمشكلاتهم لدى غيرهم.. وما هكذا يراد للإسلام إنما يراد له ليكون مهيمنا وليكون دستور حياة البشر وليجد الناس في تعليماته سعادتهم حين يلتزمون بها..


في الختام
يحتاج الناس إلى حب الدين، ولن نتمكّن من الوصول إليه إلا إذا وجد الناس فيه خلاصا منقذا وسعادة لحياتهم، وعلى الفاقهين والتربويين تقع تلك المسؤولية، ويرجى أن يكون ذلك في مؤسسات تفيد الدين باجتهادات معاصرة لقضايا الأمة.


تعقيب: سيد يوسف
إن في الناس كثرة تتوهم أن الدين الذي يقربها إلى الله عز وجل إنما يتمثل في مظاهر وقشور –إن جاز التعبير– يغطون أنفسهم بها، ثم إنهم يبيحون لأنفسهم أن يتحركوا تحت الغطاء كما يشاؤون إيغالاً في الفساد، إمعاناً في الظلم، عكوفاً على الإهلاك والتقتيل، ولكنهم يسترون أنفسهم بماذا؟ بمظاهر الدين، وأنا لا أدري أهم مخدوعون بأنفسهم يتصورون أن الله عز وجل يُخْدَع وأنه يكتفي من انقيادهم لدينه واستجابتهم لحكمه بهذه المظاهر التي ربما يتصورون أنهم يحجبون الله عما وراءها؟! أهكذا يقودهم الغباء؟! أم إنهم يخادعون الله إذ يخادعون الناس؟! يتسابقون في المظاهر، يتسابقون في بناء المساجد الفخمة، يتسابقون في المآذن الباسقة الصاعدة إلى جو السماء، يتسابقون ربما في ذرع الطريق ما بينهم وبين بيت الله الحرام جيئة وذهاباً، يتسابقون فيما بينهم في ركيعات، واخترق هذه الظاهرة لتجد بعد ذلك نفسك مع خليفة من خلفاء قارون في الوصف الذي وصفه الله سبحانه وتعالى به، يفسد في الأرض ويمعن في الظلم وينقاد لدوافع أحقاده وضغائنه ومشاعر عدوانه، يستجيب لهذه المشاعر منصرفاً عن الاستجابة لأمر الله عز وجل ولكأنه يقول: إذا سُئِلْتُ أقول: انظر كم بنيت من المساجد! تأمل كم كانت مرتفعة تلك المآذن! ولكن أحب، أيها الإخوة، لنفسي ولكم ولهؤلاء الإخوة أيضاً أن يتأملوا كتاب الله فيتبينوا مثلين لشجرتين إحداهما تمثل الإنسان الذي استجاب لأمر الله ظاهراً وباطناً، غرس عقيدة الإيمان بين جوانحه، غذَّى هذه العقيدة بالاستجابة لأمر الله عز وجل فأثمرت شجرة الإيمان بين جوانحه شتى أنواع الثمار الإنسانية. تحول إلى خادم كما أمر الله لرقابة العدل، تحول إلى خادم لتحقيق الحكمة، تحول إلى خادم لمد مشاعر الألفة والرحمة بينه وبين سائر عباد الله سبحانه وتعالى. سمع رسول الله يقول: "المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه" فطأطأ الرأس وانقاد لهذا الأمر فكان في سلوكه مظهراً لهذا الذي وصف رسول الله (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ) إبراهيم : 24-25.

سعيد رمضان - عن موقع نسيم الشام

e-max.it: your social media marketing partner

Le guide de l'étudiant

Le guide de l'étudiant est disponible.

Télécharger

Dossier d'inscription

Le dossier d'inscription pour la rentrée est disponible.

Télécharger
Go to top